اخر الاخبار

المسرح الملحميُّ نظرية نقدية أسسها "برتولد بريشت" للقطيعة مع المسرح الأرسطي القائم على التماهي والتطهير، وقد سعى "بريشت" إلى كسر الإيهام ودفعِ المتلقي من الانفعال إلى التفكير والحكم النقديَّ على الواقع. وتمثلت متطلباتهُ في الممثلِ الراوي وكسرِ الجدارِ الرابعِ عبر اللافتاتِ، ليتحول جسد الممثل فيه من أداة تجسيد إلى أداةِ تعليقٍ وتحريضٍ فكريًّ وجماليًّ.

تناول د. بهاء محمود علوان قراءة لـ (المسرح الملحميُّ ومتطلبات العرض البريشتيَّ)، ليكون نقطة تحول مفصلِيَّةً في تاريخ النظريَّةِ المسرحيَّةِ الحدِيثةِ، إذ أَسس من خلالهِ لقطيعةٍ جذريَّةٍ مع المسرحِ الأرسطيَّ القائِم على التطهيرِ والتماهي.

أكد المؤلف أن بريشت لم يسعَ إلى تجميلِ العرضِ، بلْ إلى تفكيكه، وذلك عبر طرحهِ لمبدأ (التغريب) الذي يهدف إلى كسرِ الإيهام ودفع المتلقي من حالةِ الانفعالِ إلى حالةِ التفكيرِ والحكمِ النقديّ على الواقعِ. وعليه، فإن مُتطلباتِ العرضِ البريشتيَّ تتمثلُ في جملةٍ من الآلياتِ التي تتقاطعُ مباشرةً مع موضوع لغةِ الجسدِ، ومن هذهِ الآلياتِ: الممثل الراوي لا المُتماهي، فعند بريشت لا يصبحُ الممثل الشخصيَّة، بلْ يعرضها ويعلقُ عليها، وهنا تتحولُ لغةُ الجسدِ من أداةِ تجسيدٍ إلى أداةِ تعليقٍ وتفكيكٍ. ومنها الإيماءةُ الاجتماعيَّةُ والتي هي في الأساسِ جوهرُ لغةِ الجسدِ البريشتيَّة، حيث لا تكون الحركة تعبيرًا فرديًا، بل تكثيفًا لعلاقةٍ اجتماعيَّةٍ وطبقيَّةٍ، كما في حركةِ اليد التي تصبحُ دالًا على السلطةِ أو القمعِ.

وعليه فأن قراءةَ كتاب (المسرح الملحميَّ) لا تهدف إلى استعراضٍ تاريخيَّ لنظريَّةِ بريشت، بلْ إلى الكشف عن كيفيَّةِ تحول جسد الممثلِ في المسرحِ الملحميَّ من وسيلةِ إيهامٍ إلى وسيلةِ تحريضٍ جماليَّ وفكريَّ، وهو ما يُمهد لفهم تجلياتهِ في المسرحِ العراقيّ المعاصرِ.

تناول المؤلف في كتابهِ جملةً من المحاورِ الفكريَّة التي أسهمت في بلورة نظريَّة بريشت، وقد تمثلت في: اولا - ( دور المنفى في بلورة أفكار بريشت): إذ أكد الكاتب أن منفى بريشت (1933 – 1948) هروبًا من النازيَّة كان مختبرهُ الحقيقيَّ، حيث انتقل من مسرحٍ سياسيًّ مباشرٍ إلى مسرحٍ فكريًّ أكثر نضجًا. ففي المنفى تبلورت لديه فكرة التغريب بشكلٍ كاملٍ، إذ أدرك أن المسرح لا يمكنُ أن يغير الواقع من داخلِ ألمانيا النازيَّة، بل من خارجهِ عبر تفكيكِ آليَّاتِ القمع، وتحولت كتاباتهُ إلى نقدٍ للرأسماليَّةِ والحربِ، وهذا ما انعكس على لغةِ الجسدِ عنده حيث أصبح الجسد شاهداً على الاغترابِ وليس أداةً للاندماجِ.

ثانيا - (علاقة بريشت بجمهورهِ في المانيا): اكد الباحث على علاقةَ بريشت بجمهورهِ كانت علاقةً صداميَّةً وتوعويَّةً، فهو لم يكن يريدُ جمهورًا يبكي ويصفق، بلْ جمهورًا يفكر ويحاكم. لذا كسر عقدة التماهي معهُ، وكان يواجهه مباشرة باللافتاتِ والأغنياتِ والتعليقِ، ليحولهُ من متلقًّ سلبيًّ إلى قاضٍ يناقشُ ما يراهُ على الخشبةِ. فالمتلقي عند بريشت شريكٌ في إنتاجِ الدلالةِ وليس مستهلكاً لها. ثالثا - (مسرح الشارع والتماهي مع المسرح الملحميَّ ونقاط الالتقاء): يرى المؤلف أن مسرحَ الشارعِ يلتقي مع المسرحِ الملحميَّ في نقطتينِ أساسيَّتين:

1 - كسرُ الإيهام: فكلاهما يخرج المسرحَ من العلبةِ الإيطاليَّةِ إلى فضاءِ الناسِ الحقيقيَّ.

2 - المباشرةُ والتحريضُ: فكلاهما يستخدمُ الجسد واللافتة والصوت العالي كأداةِ خطابٍ سياسيًّ مباشرٍ، فالممثل في الشارعِ وفي الملحميَّ هو ممثلٌ - خطيبٌ، جسدهُ أداةُ إعلانٍ وليس أداة تمثيلٍ.

رابعا - (نقاط التقارب والاختلاف بين مسرحِ العبثِ والمسرح الملحميَّ): يعتقدُ مؤلف الكتابِ، أن كلاهما ثار على المسرحِ الأرسطيَّ ورفض الحبكة المنطقيَّة والحوار الواقعيَّ، واعتمد على جسدِ الممثلِ كمركزٍ للعرضِ. أما نقطة الاختلافِ الجوهريَّة فهي: أن مسرحَ العبث يرى العالم بلا معنى، لذا الممثل فيه عبثيٌّ، متكررٌّ، عاجزٌ. أما المسرحُ الملحميُّ فيرى أن العالم له معنى ويمكن تغييره، لذا الممثل فيه ناقد، واعٍ، ويعمل على التغييرِ.

وفي ضوء قراءة كتاب (المسرح الملحميَّ ومتطلبات العرض البريشتيَّ) يمكنُ القول إن المؤلف قد وصل إلى جملةٍ من المخرجاتِ والنتائجِ المهمةِ التي يمكنُ التوقف عندها، والتي تشكلُ أساساً نظريًّا لفهم متطلبات العرض في المسرحِ المعاصرِ، وهي: (المخرج الفكريُّ) وذلك لأن المسرحَ لم يعد وسيلةً للتطهيرِ والمتعةِ، بل أصبح أداةً للوعي وتغيير الواقع. (المخرج الجماليُّ) باعتبار أن الإيماءة الاجتماعيَّة هي جوهر الأداء الملحميَّ، إذ لم تعد حركة الجسد تعبيرًا فرديًا عابرًا، بل أصبحت تكثيفًا لعلاقةٍ اجتماعيَّةٍ وطبقيةٍ وسياسيَّةٍ. و(المخرج الأدائيُّ) الذي يعتمدُ متطلباتِ العرض البريشتيَّ (التغريب، كسر الجدار الرابع، الممثل الراوي) وهو ما حرر الممثل من سطوةِ النصِ المنطوقِ، وجعلهُ خطابًا بصريًا مستقلًا قادرًا على إنتاجِ المعنى دون الحاجةِ إلى الحوارِ. و(المخرج التلقي) الذي يؤكدُ أن العلاقةَ بين الخشبةِ والجمهورِ لم تعد علاقة إيهامٍ وتماهٍ، بل علاقةً جدليَّة نقديَّة، يكونُ فيها المتلقي شريكًا في إنتاجِ الدلالةِ، ويكتفي بالرمز الأدائيَّ بدلاً من التصريحِ اللفظيَّ.

هذا الكتابِ يؤكد أن بريشت قد أسسَ لمسرحٍ مغايرٍ، وجد صداهُ لاحقًا في أغلبِ مسارحِ العالم ومنها المسرحُ العراقيُّ المعاصرُ، حيث استثمر المخرجون جسد الممثل وحركتهُ كبديلٍ جماليًّ وفكريًّ قادرٍ على تجاوزِ قصورِ اللغةِ المنطوقةِ ومعالجة قضايا الواقع المحليَّ.