اخر الاخبار

صورة على حائط الغرفة. مرت سبعة أعوام على رحيل صاحبها. كل ليلة تحاول الهروب من النافذة، وأمنعها من ذلك. تشكو لي وحدتها بعد خروجي من المنزل، تعاني من ضيق بروازها الفيروزي، وعناكب تتراقص خلفها وتبني عليها خيوطا من الماضي. دقات عقارب الساعة التي تعزف السمفونية تربكها وتجعلها في قلق وأرق مزمنين. ذات مساء عدت إلى الغرفة متأخرا، وجدت باب منزلي مفتوحا. أتذكر أني أغلقته جيدا بمفاتيحي. دخلت مسرعا وخائفا:

ــ هل هناك أحد؟

صحت بصوت عال، لم يرد علي غير الصدى.

نظرت إلى الجدار، لم أر الصورة. بحثت عنها في كل مكان، لم أجد لها أثرا. تأكدت من النافذة أنها مغلقة. أشك أنها سرقت نسخة المفتاح الموجود وراء الباب وهربت. نزلت أبحث عنها. كيف لصورة أن تهرب بهذه السهولة؟ هبطت مسرعا، قدماي تعزفان إيقاعات رتيبة على درجات السلم. الريح شديدة، وموسم الخريف يرمي أوراقه في الطرقات.

 أسأل الأشخاص المشردين:

ــ هل رأيتم صورة في أحد الأماكن؟

لم يجبني أحد. كلهم على عجل من أمرهم، وكأنهم على موعد.

تساؤلات تدور في ذهني: كيف لصورة رحل صاحبها أن تفعل بي هذا؟ مشاعري تشير بأنها لن تعود. عدت إلى غرفتي والحزن يرسم خطواتي الثقيلة كأسير تكبله القيود. جلست مسترخيا على فراشي، رفعت رأسي إلى مكان اختفائها، فرأيتها عائدة، وعلامات الندم واضحة على ملامحها، وزجاجها مبلل وكأنها غيمة من الدموع. تسرب النعاس إلى عيني، وأنا في حيرة ما بين اليقظة والنوم. أخاف أن أنام وتهرب مرة أخرى. تظاهرت بالنوم وكأني في سبات طويل، حتى سمعتها تقول:

ــ كيف لعينيك أن تغفو وتتركيني وحيدة.. ألم يكن لديك مشاعر تجاهي؟

هي تعلم بأنها رحلت قبل الموعد، وما زلت أنتظرها. لكن لم يبق شيء منك غير تلك الصورة وذكرياتها. فتحت عيني، رأيتها تنزل على مهل، تحاول الاختباء مرة أخرى خلف الستارة، ومرة تحاول أن تعانقني وتقبل وجهي عن بعد، ومرة تعد الشاي الذي أحببته من يدها.

كل يوم تحاول الهروب وأمنعها لكي تظل معي، من أجل ألا تخدش مشاعري. لاحظت كل تحركاتها حتى بزوغ الفجر، عندما تشرق الشمس وتبث رائحة الصباح من وراء الستارة. تكف عن الدوران والحديث، وتنام بصمت متعبة.

هنا بالإمكان أن أغفو وأغرق في نوم عميق.

عند المساء استيقظت، وجدتُها نائمة على الجدار. استحممت وهيأت ثيابي والعطر الذي كان يشارك جسدينا معا. نثرته في الغرفة لكي تطمئن علي بعد الخروج، وتظن أني في المنزل ولم أخرج بعد.

ذهبت إلى النهر، جلست وحدي. قررت أن أطلق سراح الصورة. لا أريدها أن تعاني أو تحزن بسببي.

هي صورة وزجاج وبرواز تحمل مشاعر. كيف لصاحبها الذي لم يكن وفيا مثلها؟ صور تشبه مشاعرنا، لكنها لا تعيش بنفس الطريقة التي نعيشها. ثمة من يتجاوز الألم، وآخر يغرق فيه.

عدت إلى غرفتي وقررت أن أرمي الصورة خارجا لكي ترتاح من تعبها وحملها للأيام القادمة والذكريات السابقة.

شاهدتها معلقة بحبل كبير على كرسي.

هبت ريح عاتية، دخلت من ذلك الشق الكبير في جدار غرفتي. أوقعت الكرسي أرضا وأنزلتها. رأيت الصورة تتدلى، حاولت إنقاذها، لكن نبضاتها توقفت، وفارقت البرواز، وغبارها دفن الزجاج المتكسر.