لنتفق بدايةً بأنه "لا يوجد شيء خارج النص" كما يقول جاك دريدا. ما يعني أن السرد بنية لغوية ، تتكون من علامات منتظمة بين عناصر مختلفة ، وليس مجرد حكاية تنقل أحداثاً متتابعة. والنص السردي - بهذا المعنى - نظام يتجاوز المستوى الظاهري للأحداث إلى مستوى أعمق يتمثل في العلاقات المنظمة بينها. ويرى تودوروف ؛ أن السرد ليس تراكماً للأحداث ، بل حركة انتقالية بين حالتين ، فالقصة تبدأ بوضع مستقر نسبياً ، ثم يحدث حدثٌ يُخلخل هذا الاستقرار ، لتبدأ سلسلة من الأفعال التي تقود في النهاية إلى وضع جديد . وهذه الحركة المخصوصة في الكتابة السردية تقوم على سلسلة من التحولات ، هي أربعة وكالتالي:
1. حالة توازن أولي.
2. حدثٌ مُخلٌّ أو اضطراب.
3. محاولة تجاوز الاضطراب.
4. استعادة التوازن بصورة جديدة.
ويمكن تطبيق هذا النموذج على رواية «مذكرات الحافي» لأنفال كاظم، وذلك من خلال مستويين أساسيين هما: القصة والخطاب. وما نعنيه بالقصة أو المتن الحكائي: هي المادة الحكائية المتمثلة في الأحداث والشخصيات وتسلسل الوقائع على وفق منطقها الزمني الطبيعي، أي كما حدثت أو وردت في الحياة . أما الخطاب أو المبنى الحكائي : فيُمثّل الطريقة التي تُعرَض بها تلك الأحداث داخل النص ، أو كيفية تنظيم الحكاية وتقديمها للقارئ.
ويكشف لنا هذا التمييز بين (القصة والخطاب) أن الحدث الواحد يمكن أن يُقدَّم بطرائق مختلفة ، إذ قد يستعمل الراوي الاسترجاع أو الاستباق أو التقطيع الزمني لإعادة تشكيل المادة الحكائية.
وبالعودة لـ«مذكرات الحافي» ، نجد أن متنها الحكائي ما هو إلا قصة اغتصاب بديعة من قِبل ماجد السلطان ، الذي تنكّر لفعلته ، واتّهم أخاه "خليل الحافي" بأنه هو الذي قام بفعل الاغتصاب ، وجعله مضطراً أن يتزوج من بديعة ، ومن ثم قام بطرده من القرية ، وذلك للاستيلاء على الحصة الأكبر من الإرث الذي خلّفه لهما أبوهما سلطان الغضبان بعد موته . وتتوالى الأحداث لتنجب بديعة طفلها غير الشرعي (كامل) ، والذي سيصبح مستقبلا ذا مكانة وشأن ... ليعود وينتقم من أبيه البيولوجي ثأراً لمقتل أمه بديعة .
هذا هو لبّ القصة وجوهر متنها الحكائي، فكل شيء كان هادئاً في القرية ، حتى جاء فعل الاغتصاب فأحدث خللاً واضطراباً ، ولتجاوز ذلك الاضطراب تتوالى الأحداث حتى يكبر "كامل"، وبعد أربعين سنة ، يقوم بفعل القتل ثأراً لأمه .. وبهذا استعاد التوازن بصورة جديدة .
أما على مستوى (الخطاب) والطريقة التي عُرِضت بها تلك الأحداث ، فهنا جاء الاشتغال الحقيقي والفني لأنفال كاظم ، وذلك من خلال التقديم والتأخير والاسترجاع والاستباق وتشظّي زمن السرد ، الذي جاء من النهاية والعودة بالأحداث إلى البداية .
حيث بدأ الفصل الأول بتقديم شخصية كامل كرجل ثري في الأربعين من العمر ، يعاني من كوابيس تقضّ مضجعه ، وتدور في معظمها عن بديعة وهي في حالة يُرثى لها . حيث جعلته تلك الكوابيس في حالة قلق وأرقٍ واكتئاب وهلوسات ذهنية تلاحقه في كل ليلة . لينتقل خطاب السرد في الفصل الثاني لحادثة أخرى مختلفة تماماً تمثلت بموت (سلطان الغضبان) وما رافق ذلك الموت من مشاعر متضاربة عند أهل القرية ، كاشفاً لنا عن حالة اعتداء واغتصاب قام بها سلطان الغضبان لأخت زوجته (جليلة)!!
وإذا ما كان الفصل الأول مسروداً من قِبل كامل بطل الرواية كسارد ذاتي ، فقد تولّى عملية سرد الأحداث في الفصل الثاني السارد العليم أو كليّ العلم ، لتتوالى فصول الرواية على هذا الشكل حتى النهاية.
صحيح أن هذا النمط من التكنيك والتشظّي قد يمنح
القارئ تشويقاً ، يُشتّت تركيزه ويجعله في حالة بحث دائم عن الخيط الذي يربط الأحداث . ولكنه أيضاً يُلزم القارئ ألا يكون سلبياً في القراءة ، بل شريكاً في لعبة التأليف ، وألا يكتفي بتأمل الأحداث ، بل عليه تقع مسؤولية تأويلها ، ذلك التأويل الصحيح أخلاقياً وثقافياً.
لأن ما يحدث في الواقع «خارج النص» قد يكون أكثر بشاعةً ولؤماً وغدراً ، وهذا ما حاولت الرواية أن تلمح إليه وتُبرزه وتسبر أعماقه .
وإذا ما كانت قصة اغتصاب بديعة أو جليلة ، قد بدأت وانتهت في قرية الناعور ، فإن الخطاب لم يقف ليصور بشاعة هذا الموقف المأساوي ، بل امتد أبعد من ذلك بكثير ، خاصةً بعد أن هرب (ماجد السلطان) ابن ذلك الإقطاعي الثري ، متوجهاً إلى بغداد العاصمة ليقيم إمبراطوريته الجديدة القائمة على الاتجار بالمخدرات ونهب الأطفال وهتك الأعراض ، ظناً منه أن الابتعاد عن مكان الجريمة الأول في القرية سيجعله في مأمن ، وأن المال والثراء الفاحش سيعصمه من العقاب ، ولكن هيهات ، فقد كانت الأقدار أكثر مكراً وعدلاً في الاقتصاص منه كرمزٍ يمثل كل الفاسدين أمثاله .
حول كل هذه الثيمات المتشابكة والمعقدة والماكرة تدور أحداث رواية «مذكرات الحافي» التي يمكن النظر إليها كرواية اجتماعية مأساوية بامتياز ، تعكس الواقع الحياتي ، في إشارة لذلك السقوط الأخلاقي والقيمي وما آلت إليه مصائر عائلة الغضبان في آخر المطاف .
كما يمكن النظر للنص ( كمُعادل موضوعي - رمزي ) لكل ما حدث من تحولات سياسية مروعة خلال المئة سنة الماضية وما آل إليه مصير المجتمع من خراب شامل ، لا يمكن إصلاحه إلا باقتلاع الشر من جذوره والثورة عليه .
وبهذا حاولت الرواية - في خطابها العام - أن تلامس كل هذه الأفكار والموضوعات الآنية التي يمر بها مجتمعنا .
كما لا يمكن أن ننكر الأسلوب المشوق والتقنيات الفنية والسردية التي اشتغلت عليها الروائية لمعالجة هذه الموضوعات بشكل فني مقنع .
أما على صعيد اللغة السردية ، فثمة أكثر من ملاحظة يجب التوقف عندها . وإذا كان المقام لا يتسع للخوض في تفاصيلها الآن ، فلا بأس من لفت انتباه الكاتبة إلى هذه المسألة الحساسة ، أملاً في أن تجد طريقها إلى المعالجة والمراجعة في طبعة لاحقة .
باستثناء هذه الملاحظة ، تظل «مذكرات الحافي» عملاً روائياً جديراً بالقراءة والاهتمام ، مؤكدةً انتماءها إلى تيار الواقعية النقدية ، من خلال قدرتها على تفكيك الواقع الاجتماعي واستنطاق تناقضاته وكشف خباياه، بلغة سردية تسعى إلى ملامسة جوهر التجربة الإنسانية.