مِنَ اللازمِ اليومَ أنْ نعيدَ كتابةَ كلِّ التاريخِ المرتبطِ بالظاهرةِ الإسلاميةِ، وذلك عن طريقِ التساوقِ والربطِ بينَ المنهجيةِ التاريخيةِ المهتمةِ بدراسةِ التغيرِ والتحولِ عبرَ الزمنِ، وبينَ المنهجيةِ الأنثروبولوجيةِ المهتمةِ بدراسةِ البُنى في لحظةٍ زمنيةٍ ثابتةٍ محدّدةٍ.
لم تَأْخُذْ كتاباتُ محمد أركون صداها الواسعَ في العالمِ العربيِّ الإسلاميِّ، ويعودُ هذا إلى ثلاثةِ أسبابٍ:
الأوَّل: اعتمادُهُ مصطلحاتٍ خاصةً بمُنهجهِ وحده، وبعيدةً عن الجهازِ المفاهيميِّ للجماهيرِ، ممّا يجعلُ القارئَ يشعرُ بصعوبةٍ في التعاملِ معها وربطِها بالسياقِ الصحيحِ، كي يتأتَّى لهُ فهمٌ واضحٌ.
الثاني: ربما يعودُ السببُ إلى تقصيرِ المترجمِ هاشم صالح، إذ أرى أنّ في مواضعَ كثيرةٍ قد اعتمدَ الترجمةَ الحرفيةَ، وهذه بدورها قلّلت من وضوحَ النصِّ وأضعفت سلاستَهُ.
الثالث: الصرامةُ والحدَّةُ النقديةُ لدى أركون في تَعامُلِهِ مع التاريخِ الإسلاميِّ ككُلٍّ، وبالأخصِّ الظاهرةِ القرآنيةِ، حيث تعاملَ مع النصوصِ التأسيسيةِ بطريقةٍ يصعبُ على الوعيِ العربيِّ الإسلاميِّ أنْ يتحملَها. فقد استخدمَ في نقدهِ لهذه الظاهرةِ "المنهجيةَ الأنثروبولوجيةَ" من زاويةٍ، و"المنهجيةَ التاريخيةَ" من زاويةٍ أخرى، مؤكِّدًا على ضرورةِ ربطِهما معًا.
وفي "المنهجيةِ التاريخيةِ" اعتمدَ أركون على ما يلي:
تاريخيةُ التكوين: ويقصدُ بها أنّ النصَّ القرآنيَّ قد تكوَّنَ في سياقٍ تاريخيٍّ محدَّدٍ بمقتضى ظروفٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ وجغرافيةٍ، وعلى ضوءِ هذه الظروفِ اتخذَ النصُّ هيئتَهُ التاريخيةَ. فالنصُّ عندهُ تاريخيٌّ غيرُ مُطلَقٍ، وهذا يمثلُ لُبَّ منطقِ أركون في نقدِ النصِّ.
تاريخيةُ الفهم: والمرادُ بها أنّ النصَّ القرآنيَّ يُفهمُ ويُفسَّرُ أيضًا ضمنَ سياقٍ تاريخيٍّ. أي أنّ لكلِّ حقبةٍ زمنيةٍ تفسيراتِها الخاصةِ، وهذه التفسيراتُ متغيرةٌ ومتحوِّلةٌ عبرَ الزمنِ، تبعًا لتطوُّرِ العقلِ الإنسانيِّ على وفق سياقاتٍ ثقافيةٍ ونفسيةٍ واجتماعيةٍ.
وفوقَ كلِّ ذلكَ، لم يُفلِتِ النصُّ عند أركون من الخضوعِ للأنثروبولوجيا، أي أنَّ أركون قد ارتأى دراسةَ الظاهرةِ القرآنيةِ باستخدامِ مَنهجِ علومِ الإنسانِ والمجتمعِ الحديثةِ، ليُحلِّلَ ويُفسِّرَ الظواهرَ الواردةَ في القرآنِ والكتبِ المقدسةِ بوصفِها ظواهرَ إنسانيةً واجتماعيةً وتاريخيةً محدَّدةً قابلةً للتحقيقِ والتفكيكِ والتجديدِ المعنويِّ بقراءتِها بعيدًا عن القراءةِ المغلقةِ للنصِّ بوصفهِ نصًّا لاهوتيًّا غيرَ قابلٍ للمسِّ.
إنَّ الأنثروبولوجيا هي الأداةُ العلميةُ القادرةُ على تجاوزِ الجمودِ التقليديِّ، وإعادةِ قراءةِ التراثِ الدينيِّ في سياقهِ الإنسانيِّ والاجتماعيِّ والثقافيِّ، للكشفِ عن "اللا مُفكَّرِ فيهِ" في العقلِ الإسلاميِّ.
إذ يرى أنّ هذه المنظومةَ النقديةَ المزدوجةَ، المتمثّلةَ في المنهجيةِ التاريخيةِ والأنثروبولوجيا معًا، هي وحدها القادرةُ على اختراقِ وتفكيكِ كلِّ ما هو "لا مُفكَّرٌ فيهِ" و"ممنوعُ المساسِ به" داخلَ النصِّ.
وقد تسبّبَ في أزمةِ التجديدِ وعدمِ الانسجامِ الفكريِّ والمعنويِّ مع هذه المفاهيمِ، لأنَّ العقلَ الدينيَّ قد نشأَ واستمرَّ في نشأتِهِ على سياقِ القراءاتِ اللاهوتيةِ المغلقةِ التي تصقلُ الإنسانَ بدوائرَ أيديولوجيةٍ أو عصبيةٍ يصعبُ التعاملُ معها، أو محاورتُها، أو تقديمُ قراءاتٍ تحملُ أفكارًا مغايرةً للوسطِ الأيديولوجيِّ الذي اعتادتْ عليه.
ربما تجدُ الأنثروبولوجيا_بوصفها منهجا للتجديد _طريقًا سالكًا للفهمِ والتفهُّمِ لو تَمَّ إدخالُها ضمنَ منهجٍ تربويٍّ أو تعليميٍّ، يستهدفُ الأجيالَ الجديدةَ أو البدائيةَ الخاليةَ من كلِّ الشوائبِ الفكريةِ المعقدةِ والعصبياتِ المؤسِّسَةِ للانحطاطِ المعرفيِّ والفكريِّ السامِّ.