اخر الاخبار

هذه مختارات من المجموعة القصصية (قصص البطاقة البريدية) بجزأين للآيرلندية جان كارسن (من مواليد 1948) وقد كتبت في الأصل على بطاقات بريدية كانت ترسلها الى أصدقائها ثم جمعتها في هذا الكتاب. صدرت لها رواية (مالكولم أورانج يختفي) 2014 ومجموعة قصصية (أطفال الأطفال) 2016، ويبدو من المعلومات التي اطلعنا عليها أنها أخذت تنشر أعمالها متأخرة.

الأسبوع الثاني، 9 كانون الثاني 2015، جسر ألبرت، بلفاست. الى تيفاني صاحب.

اليوم هو التاسع من كانون الثاني وكل شخص يرى في نفسه أهميةً يركض على جسر البيرت. يبدو الماراثون للعيان مثل أمل في الجنة أو يوم القيامة. البعض يتزلقون مثل أسماك نهر، كلٌّ بملابسه المعتادة، وآخرون ببناطيل رياضية وقمصان عادةً ما ينامون بها. في الفوضى يُفتقد القرار السليم. يتحركون من ميل لثانٍ، دون قيد وبأحذية رياضية، تتخبط أقدامهم مجتازة المحطة والسوق. من بعيد يبدون مشاة بطيئين، ومن قريب يبدون مثل نساء أعدن كتبا استعرنها من المكتبة بعد أن قرأنها الى النصف. إن ضوضاء ركضهم هي آخر يدٍ مصفقةٍ من أيدي الاستحسان وهي تغادر مانحة كأس فوز للصمتَ.

الأسبوع السادس، 5 شباط 2025، كاتدرائية كوارتر، بلفاست. الى كلير بسويل.

عندما كنتَ في السابعة من العمر رميتَ سهما لاصقا على فتاة سوداء الشعر تركض هاربة في الحديقة. استقر السهم ملتصقا تحت لوح كتفها بالضبط. سقطت على وجهها في العشب.

كانت الألوان على السهم هي الأحمر والأسود والأبيض، وهي الألوان نفسها لغطاء صندوق أغراضٍ في غرفة نوم أبوي. كانت تلك سنوات الثمانينيات، وبعدها جاءت السهام خلوا من الألوان كالإبر. لا أذى حصل لها. لم تخبر أنت أحدا ولم تفعل هي. لازلت تتساءل هل كان هو الغيظ العادي الذي رفع يدك الى مستوى ذقنك ورميت، أو شيء أقرب الى المتعة، الرغبة في شعر أسود، في شقيق أو شقيقة أكبر سنا، أو أمّ تنتظر عند بوابة المدرسة بسيارة سبورت حمراء. كل مرة ترخي ذراعك لتتبرع بالدم أو تصغي الى المسدس الثاقب تتذكر هذه الفتاة سوداء الشعر وهي تهرب في الحديقة، وتتمنى لو أنك تركت عليها علامة يمكن أن تراها حتى الآن.

الأسبوع السابع، 18 شباط 2025، ألستر هول، بلفاست. الى إيمّا ماست.

جاءا بالحافلة من داونباتريك شمالاً الى بلفاست. هو يرتدي سترة أنوراك فرائية، وهي ترتدي سترة من النوع نفسه أقرب الى الصنف الأنثوي. هذه السترات يصفونها بأنها(مضادة للماء) إذا تطلب الأمر إيضاحا. توقفا في كوستا ليحتسيا قهوة الكابتشينو التي يعلوها غمام الشوكولاتة، وقسّما قطعة كاراميل بالحد الكليل لملعقة شاي، ثم اندفعا لحضور حفلة العشاء الموسيقية في أولستر هول قبل الوقت بعشرين دقيقة للحصول على مقعد في  الشرفة، هو ببطاقته المطبوعة على ظهر إيميل قديم، وهي ببطاقتها التي في ظهرها كلمات متقاطعة.

كان ممكنا، بالنظر عن كثب، أن يميز المرء يده من يدها، وهو يملأ فراغات الكلمات المتقاطعة بقلم باهت الخط بينما كانت الحافلة تتهادى في طريقها شمال داونباتريك.

الأسبوع الحادي والعشرون، 27 آيار 2025، بيلمونت رود، أيست بيلفاست. الى اليانور كايل.

لم يكن بإمكان ولسن وزوجته أن ينجبا غير طفل واحد، ولم يكونا في الوقت نفسه يقتنعان بطفل واحد. قالت السيدة ولسن –" إنه لشيء قاس ولادة طفل من دون أن يكون معه طفل آخر"، وعندما أصبح طفلهما بعمر يستطيع فيه الجلوس وضعاه في غرفة صغيرة جدرانها مغطاة بالمرايا من أربع جهات.

قالا له –" أنظر الى كل أطفال المرايا، يوجد الكثير منهم لتلعب معهم". ارتاحا ارتياحا عظيما للطريقة التي كان بها يتحدث الى انعكاسه في المرايا كأن الأطفال في المرآة كانوا حقيقيين. فيما بعد، عندما أصبح في السادسة عشر أو السابعة عشر وكانت قد أزيلت المرايا من الغرفة منذ سنوات لتتحول الى غرفة مكتب، كان لدى الصبي ذكريات غائمة عن أشقائه الذين كانوا في المرايا. افترض أنهم جميعا ماتوا، وهو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، ولم يسأل عنهم، ولكن كان يوجد داخله حزن مثل مرآة بوجهين.      

 

الأسبوع التاسع والثلاثون، 24 أيلول 2015، هوليوود. الى جين وبول مكلين.

يوجد في مقعد سيارتي الخلفي حصان ونفق. الحصان ليس حصانا حقيقيا بل مجرد حصان طفل هزاز. النفق حقيقي جدا.

إنه الآن مربوط بإحكام بحبال، ولكن حين تُفك هذه الحبال؛ ينفتح رأسا ويُظهر نفسه ليكون طوله حوالي مترين، ملونا بألوان قوس قزح الأصلية. في أحد طرفي النفق يوجد المستقبل، وفي الطرف الآخر، الماضي. لم يغامر الحصان الى الآن في الدخول في النفق ولكنه قد يفعل. الحصان ليس خائفا من مواجهة ماضيه، ولا حتى من مستقبله، ولا حتى من الأشياء المستقبلية مثل الحصان الروبوتي أو الأجنحة الصقيلة المعدنية التي قد يواجهها في المستقبل.

إنه خائف فقط من أن يصبح مركوناً في النفق ويبقى هناك مثل نتوء أخرق في الحلق، عالقا بين المستقبل والماضي، وهو الاسم الآخر للحاضر، الحاضر الكائن أكثرَ الأماكن ظلاماً، الذي يحول دون النظر الى الأمام أو الى الخلف. 

الأسبوع السادس والأربعون، 12 تشرين الأول 2015، بوتانيك آفينيو، بلفاست. الى شارلوت لويس.

عندما وصل أخيرا عمال النقل أفرغوا الشقة في أقل من ساعة. ملأوا شاحنة بأثاثنا المكوم رأسا على عقب أو جانبيا ليتسع له المكان مثل برج لعبة مكعبات. قضينا بعض الوقت نتمشى في الغرف الفارغة. كان هذا بيتنا بما يقرب من عشر سنوات، وفيما كبرنا وأصبح البيت يضيق بنا لم يكن انتقالنا كأننا لم نعد نحب مطبخه وغرفة الجلوس وغرفة النوم الرئيسية بحمامها الداخلي الصغير. بينما كنا نتنقل من غرفة فارغة لأخرى بدأنا نلاحظ بأنه مع أن مناضدنا وكراسينا أصبحت الآن في منتصف الطريق الى ليسبرن فإن ظلالها باقية، تتريث على السجادة. خامرني الظن بأنها وساخة وآثار من أحذيتنا تخلفت من تواثبنا عليها، كما ظننت أن الأرضية بهتت بمرور الزمن حوالي أثاثنا.

كانت شقة مشرقة، وخلال السنوات، أحالت الشمس لون ورق الحائط الى فاتح في بعض الأماكن. هذه لم تكن لطخات ولا بقعا ذابلة بل الأشباح الحزينة لأريكتنا ومنضدة قهوتنا وخزانتنا. لم ترغب في مغادرة هذه الشقة. فضلت أن تبقى فيها وتسكنها. إنها، مثلنا، كانت سعيدة هنا غاية السعادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Postcard stories, by Jan Carson