ليس تاريخ الثقافة بريئا، وصالحا بالكامل لمواجهة ازمات الانسان وتحولاته مع الطبيعة، أو مع الشر والاستبداد، إذ تنطوي بعض طبقات هذا التاريخ على "ثقافات" متعالية، قامت على فكرة طرد المثقف من "جمهورية افلاطون" ومن "حصن اثينا" حيث تكرّس معها شكل معقد للتمثيل الثقافي، تواصل مع روايات "القرون الوسطى" التي جعلت من الفروسية وكأنها ثقافة تطهيرية، مع أن ابطالها فرسان ينتمون الى طبقة الأمراء، و"الاقطاع" صنع له نظاما ثقافيا يقوم على أنموذج "البطل" المغرور الذي يملك الارض والشر، ولعل رواية "دون كيشوت" كانت التمثيل الثقافي الساخر لنهاية عصر الفروسية، ونهاية ذلك البطل، لكن صعود الرأسمالية اعاد انتاج صورة "البطل" عن طريق التبشير والاستعمار وحيازة الثروة، واحتكار وسائل الانتاج، التي حولت "فائض القيمة" الى ادوات للتسلح والامتلاك ول"رأسمالية الحرب" حيث الانخراط في صياغة طبقية وسياسية وايديولوجية للاحتكار ولتمثيل العلاقة مع الآخر.
هذه الرأسمالية حملت معها اقنعة ثقافية كبيرة، لا تقل شأنا عن اقنعة القوة، على مستوى الترويج لعقلانية النظام الرأسمالي، ولصورته المثالية في تسويق مفاهيم الحرية والمشاركة والعدالة، وتمثيل الوعي في تجلياته التي تحولت الى "مركزية ثقافية" تقوم على الترويج لمركزية الغرب وسردياته السياسية، ولأدواته في تمثيل السلطة والطبقة، وفي النظر الى التاريخ ذاته، بوصفه تاريخا للأقوياء، وهذا ما اعطى "شرعية" للرأسمالي المحارب والاستيطاني والمستعمر الى أن يفرض شروطه على العالم، عبر الاحتلال والاستغلال، وعبر تحويل نظام العمل الى نظام للاستعباد، حيث السيطرة على الثروات، واعطاء النظام الطبقي المتوحش شرعنة اخلاقية ودينية، وحتى فلسفية، فما قرأناه في "نقود" كانط يتجلى بعقلنة الطاعة، والقبول بعقلانية الرجل الأوربي بوصفه الاكثر معرفة وقوة، لأنه انموذج الانسان الكوني، وما اراده هيغل في مثاليته كشف عن ضرورة وجود هذا الأنموذج المتعالي، عبر صورة نابليون أو بسمارك، لأن المركزية الأوربية هي المثال الفعّال لتمثيل قوة البرجوازية، بوصفها الطبقة التي تملك ادوات التفكير والعمل ورأس المال.
ثقافة الرأسمالي تقوم على حصر تداول الافكار، ومنعها من أن تكون ثورية ونقدية، واخضاعها الى سياسة التعريف بأهمية السلطة والطبقة، مقابل التعريف بعبودية الخضوع، أي القبول بثنائية هيغل عن "السيد والعبد" بوصفها تمثيلا للحياة الطبيعية، وتجسيدا للتعالي الطبقي الذي ينم عن التملّك، مقابل الانضواء في انظمة العمل في الارض والمصنع والبيت كتمثيلٍ لعبودية الاشباع والبقاء والدونية الطبقية.
ما يحدث اليوم وسط تغوّل الرأسمالية تحت يافطة "الليبرالية الجديدة" يكشف عن ما يمكن تسميته ب"استعمار جديد" يقوم على تحويل المهاجرين واللاجئين الى عبيد، حيث تفرض سياسات " السوق الحرة" اجراءاتها على الدخول القهري في نظامها، عبر تغذية اسباب العزل الطبقي والاقتصادي، وعبر الحروب، وتغذية اسباب التطرف والصراعات الاهلية، ليبدو عالمنا المعاصر وكأنه عالم مشردين أو مهزومين، وأن اسواق "العالم الحر" هي المعسكرات التي تصلح للتأهيل، وتجريد الشعوب من قواها الاجتماعية والاقتصادية الفاعلة، فضلا عن الترويج لنوع اكثر بشاعة للمثالية، عبر الترويج لفلسفات الاستهلاك، والنمطية، والتسقيط الجنسي، والعنف والتطرف والكراهية، والى الترويج لنوع من الانثربولوجيا البشعة، حيث الشرق السوداوي الغامر بالعنف والتخلف والحروب العنصرية، مقابل الغرب البرجوازي الذي يتغول عبر صناعة اوهام فائقة الخطورة للتفوّق والسعادة الرأسمالية، عبر الاسواق والقوة والتدخلات العسكرية، وعبر البنوك الدولية والمختبرات ومراكز البحوث، والتي تجعل من الليبرالية الجديدة مجالا ثقافيا، يقوم على نوع العدمية، والاحباط، لا سيما في اوساط الشباب الذين يندفعون الى خيار الهجرة بحثا عن "رأس المال" وعن الحرية بوصفها وهما اشباعيا، وعن الخلاص من دوستوبيات سياسية محلية، ومن انظمة حكم تعاني من الحروب والعقوبات الرأسمالية ذاتها.
تضخم الرأسمالية الليبرالية، وتحولها الى وحش اقتصادي وسياسي، لم يمنعها من أن تصنع لها وحشا ثقافيا، يجمع بين العنف اللوثياني والتراكم المادي، وبين الاشباعات الرمزية واوهام الرفاه، حيث تتحول المدينة الى جحيم، والاحساس بها الى سأم بودليري، مثلما أن التطبيقات والخوارزميات تتحول الى اسواق مسكونة برعب الاستهلاك، حيث يعيش الانسان "المرعوب" والمأزوم صراعه مع النظام الرأسمالي، عن طريق التعقيدات التي يواجهها، والتي تصنعها ادارات السياسة والحرب والعنف، حيث السقوط في الفراغ الثقافي، وحيث الترويج للفوضى العالمية بتوصيف سلافوي جيجك، وحيث الرثاثة الاجتماعية والجنسية، وحيث أنماط اكثر تعقيدا للاستهلاك، وللاساطير اليومية بتوصيف رولان بارت.
جديد دار توليب للنشر
دار توليب للنشر والتوزيع التي تشرف عليها وتديرها القاصة تماضر كريم؛ اصدرت عدداً من الكتب الجيدة.. وكان من ابرز منشوراتها كتاب بعنوان "شمس بغداد/ مختارات من السرد العراقي المعاصر" انطولوجيا من اختيار وتقديم: فايز بيضاني. وقد ساهم فيه عدد من القصاصين العراقيين هم:
بثينة الناصري • تماضر كريم • جابر خليفة جابر • حسب الله يحيى • حنون مجيد • رغد السهيل • زهير كريم • سعدون جبار البيضاني • سلمان كيّوش • صلاح عيال • عبد الأمير المجر • عبد الستار البيضاني • عبد الهادي سعدون • فيء ناصر • لطفية الدليمي • لؤي حمزة عباس • محمد خضير • محسن الرملي • ميسلون هادي • ناصر قوطي • ناظم مزهر • نزار عبد الستار • نواف خلف السنجاري • هدية حسين • هيثم الطيب.