ضيّف "ملتقى جيكور" الثقافي في البصرة، الثلاثاء الماضي، الخبير الاقتصادي د. نبيل المرسومي، الذي تحدث عن "تخفيض قيمة الدينار العراقي – الدوافع والتكاليف"، في جلسة حضرها مثقفون ومهتمون بالشأن الاقتصادي، وأدارها الكاتب والإعلامي باسم محمد حسين.
في بداية الجلسة التي التأمت على "قاعة الشهيد هندال" في مقر شيوعيي البصرة، تساءل المرسومي: هل ان ما نمر به أزمة مالية أم أزمة اقتصادية؟ وهل الأزمة المالية هي مظهر لأزمة أخرى عميقة تضرب الاقتصاد العراقي؟
وقال إنه "منذ تدفقه عام 1927 في حقل بابا كركر في كركوك، لم يكن النفط نعمة على العراقيين، بل كان نقمة جلبت الشركات الأجنبية، الاستعمار، الحروب والدماء"، مضيفا أن "هذه الثروة لم تنعكس إيجاباً على اقتصادنا، بسبب الخلل الواضح في إدارة عائداتها".
ونوّه المرسومي إلى أنه "في العام 1952، كان العراق يمتلك صندوقا سياديا يُسمى (مجلس الاعمار)، يودع فيه ما نسبته 70 في المائة من إيرادات النفط، لتُنفق على مشاريع عملاقة"، مستدركا "لكن هذا الصندوق ألغي في ستينيات القرن الماضي، على النقيض من الدول النفطية الأخرى. لذل لا يمتلك العراق اليوم صندوقا سياديا حقيقيا، بل يعتمد على حائط الصد الأول، وهو الاحتياطي الأجنبي في البنك المركزي".
وتابع قائلا أن "غياب الصندوق السيادي والإدارة الاقتصادية السليمة، انعكسا بصورة كارثية على المواطن"، مشيراً إلى أن "نسبة الفقر بلغت 16 في المائة على مستوى البلاد، ووصلت في البصرة، التي تُعد أهم مدينة نفطية في العالم، إلى 28 في المائة. بينما بلغت في الديوانية 43 في المائة، وفي كردستان بين 5 و6 في المائة، ما يُجسّد فشلا متراكما ناتجا عن سياسات اقتصادية خاطئة".
وانتقد المرسومي معالجة البطالة عبر التضخم الوظيفي (التوظيف الحكومي)، لافتا إلى أن "عدد الموظفين في العام 2004 كان يبلغ نحو 4 ملايين، واليوم قفز العدد ليصل إلى نحو 10 ملايين ما بين موظف ومتقاعد ورعاية اجتماعية وتمويل ذاتي، ما يشكل عبئاً كبيراً على قدرة الدولة على تسديد الرواتب عند انخفاض أسعار النفط".
وبشأن سعر الصرف، قال إن "استخدامه كأداة لتغطية فشل السياسات التجارية والمالية والصناعية والاستثمارية، خطأ فادح". واوضح أن "خفض قيمة الدينار أدى إلى خفض الدخل الحقيقي للمواطنين وتقليل قدرتهم الشرائية".
ورأى أن "المشكلة الأكبر تتمثل في غياب قاعدة إنتاجية وطنية، زراعية وصناعية، تلبي الحاجة المحلية. إذ يعتمد العراق على الاستيراد في توفير أبسط السلع، وصولاً إلى المستلزمات الزراعية والحيوانية، ما يجعل اقتصاده مكشوفاً بالكامل للخارج، ورهينا لمتغيرات أسعار النفط العالمية".
وختم المرسومي حديثه بطرح تساؤلات حول إمكانية إصلاح سعر الصرف دون إصلاح جذري للبنى الإنتاجية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، وعن كيفية حماية أصحاب الدخل المحدود والموظفين والمتقاعدين من التراجع المستمر في القدرة الشرائية، وعن الجدوى من استمرار اعتماد البلاد على الاستيراد وغياب الدعم الحقيقي للصناعة الوطنية والقطاع الخاص، فضلا عن دور الشركات النفطية الأجنبية وآليات تحاسبها الضريبي وتأثيرها على العملة والسياسة المالية.
وبعد مداخلات ساهم فيها عدد من الحاضرين، اختتمت الجلسة بتقديم رئيس الملتقى الشاعر والإعلامي عبد السادة البصري، لوحَ إبداعٍ إلى د. نبيل المرسومي.