مرّت سنة على صدور هذه المدونة المجحفة بحقّ المرأة والطفل، وما زال السؤال يلاحق من أقرّوها: أيّ عدالة أردتم تحقيقها، وأيّ أسرة تزعمون حمايتها؟ كيف تستقيم حماية العائلة مع انتقاص كرامة الأمّ، وتهديد علاقتها بأطفالها، وفرض الوصاية على حياتها؟
إنّها، في نظري، مدونة العار والذلّ؛ عارٌ على من جعل من معاناة المرأة أمراً يمكن تبريره، وذلا يُراد فرضه عليها باسم أحكام لم يكن لها صوت في اختيارها. وراء كلّ قضية أمّ تخشى فقدان طفلها، وطفل لا يفهم لماذا يقرّر الآخرون مصيره، وعائلة تعيش القلق بدل الطمأنينة. ومع ذلك، لم تدفع الاعتراضات والشهادات المؤلمة من أقرّوا هذه المدونة إلى مراجعة ما صنعوه. فمتى تتحرّك ضمائرهم، إن بقي فيها ما يستجيب لوجع أمّ وخوف طفل؟
في المجتمعات التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، تُبذل الجهود لتوفير الرعاية والحماية للأمّ والطفل، انطلاقاً من الإيمان بأنّ تطوّر الأمم يقوم على بنية سليمة للعائلة، وعلى أفراد يشعرون بالأمان والكرامة. الأسرة لا تنهض بالخوف، ولا تستقرّ بإخضاع أحد أطرافها، ولا تصبح أكثر تماسكاً حين تُجبر المرأة على احتمال الظلم خشية أن تدفع ثمناً أكبر إذا اعترضت عليه.
أمّا تشريع هذه المدونة، بما تحمله من أحكام مجحفة، فيكشف عن تراجع في الوعي بمفهوم الأسرة وحقوق أفرادها. كيف يمكن لمن يتصدّى للتشريع أن يتجاهل ما تتركه أحكامه في حياة الناس؟ وكيف يُطلب من امرأة أن تثق بقانون تشعر أنّه يقف فوق رأسها، بدلاً من أن يقف إلى جانبها حين تحتاج إلى الحماية؟
لقد مرّت المدونة عبر البرلمان رغم الاعتراضات. وكان الأجدر بمن صوّتوا لها أن يتوقّفوا أمام الأسئلة التي تمسّ جوهر العدالة: أين إرادة المرأة؟ أين استقرار الطفل؟ وأين حقّ الإنسان في ألّا يُعاد تشكيل مصيره وفق رغبة طرف آخر؟
وما يزيد الطين بلّة أنّ هذا المسار وجد استحساناً ورضاً لدى من لم يتوقّفوا بما يكفي أمام نتائجه على بناء العائلة. راحوا يحتفون بما يرونه انتصاراً، بينما غاب عن احتفائهم وجه الأمّ القلقة، وصوت الطفل، وحياة المرأة التي ستتحمّل نتائج ما أقرّوه.
ويثير الغضب أيضاً صمتُ بعض من يُفترض أنّهم يمتلكون أدوات المعرفة والنقد؛ من أدباء وأكاديميين ومثقّفين اختاروا الابتعاد عن المواجهة، وتخلّوا عن مسؤوليتهم في الاستنكار والوقوف إلى جانب المتضرّرات. لا أتجاهل من اعترض وكتب ودافع، لكنّني أسأل من صمت: ماذا بقي من معنى الثقافة إذا عجزت عن الدفاع عن كرامة الإنسان؟ وما جدوى الوعي إذا خفت صوته أمام سلطة تتدخّل في أدقّ تفاصيل حياة الآخرين؟
حين يُختزل وجود المرأة في جسد، وتُقدَّم الطاعة بوصفها معياراً لقيمتها، تُسلب منها إنسانيتها قبل أن تُنتقص حقوقها. المرأة عقل وإرادة ومشاعر وتجربة، ولها أحلام لا يحقّ لأحد أن يصادرها. ليست أداة للمتعة، ولا تابعاً ينتظر الإذن كي يعيش، ولا كائناً يحتاج إلى وصاية دائمة مهما بلغ من العلم والخبرة.
كيف يمكن أن تعود عجلة الزمن ألفاً وأربعمائة عام، وأن تُطبّق أحكام باسم المذهب أو الدين من دون مساءلة مدى ملاءمتها لروح العصر وحياة الناس؟ كيف يُراد لمجتمع تغيّرت فيه طبيعة التعليم والعمل والعلاقات والمسؤوليات أن يخضع لتصوّرات تُستدعى من سياق تاريخي بعيد، وكأنّ القرون التي مرّت لم تحمل معرفةً ولا تجارب ولا تطوّراً في فهم الإنسان وحقوقه؟
إنّنا نعيش في زمن تختلف فيه حياة الأسرة واحتياجاتها عمّا كانت عليه قبل مئات السنين. ومن يحترم الإنسان عليه أن ينظر إلى واقعه، وأن يسمع صوته، وأن يقيس عدالة الحكم بما يتركه في حياته. أمّا الاحتماء بالماضي لفرض السلطة في الحاضر، فهو تهرّب من مواجهة السؤال الذي لا مفرّ منه: هل تحقق هذه الأحكام الإنصاف لمن يخضعون لها؟
بأيّ طريقة يفكّر هؤلاء، وبأيّ حقّ يقرّرون عوضاً عنّا، وكأنّنا ملك لهم؟ هل خُيّرتُ عند ولادتي في المذهب الذي أريد الانتماء إليه؟ ومن قال لكم إنّني أتّبع تفسيركم، أو أقبل أن تتحكّموا بحياتي باسمه؟ من منحكم حقّ تقرير مصيري ومصير أطفالي؟ وكيف تُمنحون هذه السلطة، ثم يُطلب منّي أن أصمت وأن أتقبّل ما تقرّرونه باعتباره قدراً لا يجوز الاعتراض عليه؟
هذه الأسئلة لا تُلغى بالتخوين، ولا تُجاب باتهام المرأة في إيمانها أو أخلاقها. من حقي أن أسأل، ومن حقي أن أرفض حكماً يمسّ كرامتي، ومن حقي أن أطالب بقانون يحترمني مواطنةً كاملة الحقوق.
المرأة اليوم طبيبة ومهندسة ومعلّمة تربي أجيالاً، وباحثة وعاملة تتحمّل مسؤوليات لا تقلّ عن مسؤوليات الرجل. فهل هي بحاجة إلى وصايتكم؟ كيف تثقون بها حين تعالج مرضاكم وتعلّم أبناءكم، ثم تشكّكون في قدرتها على اتخاذ القرار في حياتها؟ وكيف تُطلب منها المسؤولية كاملةً، وتُمنح الحقوق منقوصةً؟
وحتى المرأة التي لم تتعلّم أو تعمل خارج بيتها، لا تنقص إنسانيتها ولا يسقط حقّها في الكرامة. حقوق النساء لا تُمنح مكافأةً على شهادة أو وظيفة؛ إنّها حقوق تلازمهنّ لأنّهنّ بشر.
أمّا الطفل، فلا يجوز أن تتحوّل حياته إلى ساحة لفرض السلطة أو تصفية الخلافات. حين تجعل المادة ٨١ من المدونة انتقال الحضانة إلى الأب بعد سنّ السابعة هو الأصل، يصبح من الضروري أن نسأل عن مكان حاجات الطفل وعلاقته بمن رعاه واستقراره النفسي في هذا القرار. وقد استند القضاء إلى هذا الحكم مع اعتبار ثبوت عدم أهلية الأب مانعاً من الحضانة.
هل يبلغ الطفل السابعة فيتوقّف احتياجه إلى أمّه؟ هل تنتهي سنوات السهر والرعاية والاحتضان عند هذا الحدّ؟ ولماذا يُفرض على الأمّ أن تعيش وهي تعدّ السنوات خوفاً من لحظة قد تُنتزع فيها منها الحياة التي بنتها مع طفلها؟
الحضانة مسؤولية تجاه إنسان صغير يحتاج إلى الأمان. والعدل يقتضي النظر إلى ظروفه الفعلية، وإلى من يرعاه ويحميه، وإلى الروابط التي قامت عليها حياته. لا يجوز أن يضيع صوته بين نصّ جامد وصراع الكبار على حقوقهم.
لقد نشأت الأحكام الفقهية في أزمنة لها ظروفها وقواعدها وبنيتها الاجتماعية، وشكّلت جزءاً من تنظيم الحياة في سياقاتها. لكنّ استدعاءها اليوم يقتضي مساءلتها في ضوء واقع تغيّر، ومعرفة اتّسعت، وحقوق لم يعد مقبولاً تجاهلها. نحن في زمن لا تمنح فيه قوّة السيف أو سلطة المنبر أحداً حقّ احتجاز حرية الآخرين، ولا تجعل بلاغة الخطاب حكماً مجحفاً أقرب إلى العدالة.
المشكلة ليست في إيمان الناس، بل في تحويل تفسير ديني إلى أداة تُفرض بها الوصاية عليهم، ثم إحاطته بحصانة تمنع النقد. إنّ الذين يتحدّثون باسم الدين لا يصبحون فوق المساءلة، والذين يشرّعون باسمه يبقون مسؤولين عمّا تفعله تشريعاتهم بالناس.
إلى من أقرّوا هذه المدونة: ماذا تعرفون عن خوف أمّ تنتظر حكماً قد يغيّر علاقتها بأطفالها؟ ماذا تعرفون عن امرأة تحاول أن تستعيد حياتها، ثم تجد القانون يزيد الطريق أمامها صعوبة؟ وهل سمعتم أصوات المتضرّرات كما سمعتم أصوات المدافعين عن سلطتكم؟
لقد تاجرتم بالدين حين جعلتموه وسيلةً لاكتساب النفوذ وإسكات الاعتراض. وحين وجدتم تلك التجارة رابحةً، مضيتم أبعد، حتى امتدّت سلطتكم إلى حياة المرأة وجسدها وأحلامها. وأيّ استهانة أشدّ من أن يُتّخذ القرار عنها، ثم يُقال لها إنّ ما فُرض عليها إنّما فُرض لمصلحتها؟
إنّ مدونة تعجز عن إنصاف الأمّ وحماية الطفل تفشل في أداء واجبها الإنساني، مهما أحاطها أصحابها من تبريرات. ومواجهة هذا الفشل مسؤولية يجب أن يحملها كلّ من يؤمن بالعدالة: بالكتابة، والتوثيق، والعمل القانوني، والتنظيم المدني، والمطالبة بإلغاء الأحكام المجحفة وضمان حقوق المتضرّرات وأطفالهنّ.
أؤمن أنّ هذه الأحكام يجب أن تُلغى، وأنّ استمرارها لا يمنحها الشرعية الأخلاقية. لكنّ إلغاءها يحتاج إلى أصوات لا تتراجع، وإلى عمل لا يكتفي بالغضب، وإلى تضامن يجعل المرأة التي تواجه الظلم تشعر أنّها ليست وحدها.
قد تبقى المدونة اليوم نافذةً، لكنّها لن تكون بمنأى عن حكم الناس والتاريخ. ستبقى معاناة ضحاياها شاهدةً على من أقرّوها، وستلاحقهم الأسئلة التي حاولوا تجاهلها. فالتاريخ لا يتذكّر ما قاله أصحاب السلطة عن أنفسهم فحسب؛ يتذكّر أيضاً ما فعلوه بمن كانت حمايتهم واجباً عليهم.
المرأة ليست ملكاً لكم، والطفل ليس موضوعاً تتنازعون عليه، والعائلة ليست ساحةً لفرض نفوذكم. لنا حقّ في حياة تصان فيها كرامتنا، وفي قانون يسمع أصواتنا، وفي مستقبل لا تقرّرونه نيابةً عنّا. مرّت سنة على صدور هذه المدونة المجحفة بحقّ المرأة والطفل، وما زال السؤال يلاحق من أقرّوها: أيّ عدالة أردتم تحقيقها، وأيّ أسرة تزعمون حمايتها؟ كيف تستقيم حماية العائلة مع انتقاص كرامة الأمّ، وتهديد علاقتها بأطفالها، وفرض الوصاية على حياتها؟ إنّها، في نظري، مدونة العار والذلّ؛ عارٌ على من جعل من معاناة المرأة أمراً يمكن تبريره، وذلٌّ يُراد فرضه عليها باسم أحكام لم يكن لها صوت في اختيارها. وراء كلّ قضية أمّ تخشى فقدان طفلها، وطفل لا يفهم لماذا يقرّر الآخرون مصيره، وعائلة تعيش القلق بدل الطمأنينة. ومع ذلك، لم تدفع الاعتراضات والشهادات المؤلمة من أقرّوا هذه المدونة إلى مراجعة ما صنعوه. فمتى تتحرّك ضمائرهم، إن بقي فيها ما يستجيب لوجع أمّ وخوف طفل؟ في المجتمعات التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، تُبذل الجهود لتوفير الرعاية والحماية للأمّ والطفل، انطلاقاً من الإيمان بأنّ تطوّر الأمم يقوم على بنية سليمة للعائلة، وعلى أفراد يشعرون بالأمان والكرامة. الأسرة لا تنهض بالخوف، ولا تستقرّ بإخضاع أحد أطرافها، ولا تصبح أكثر تماسكاً حين تُجبر المرأة على احتمال الظلم خشية أن تدفع ثمناً أكبر إذا اعترضت عليه. أمّا تشريع هذه المدونة، بما تحمله من أحكام مجحفة، فيكشف عن تراجع في الوعي بمفهوم الأسرة وحقوق أفرادها. كيف يمكن لمن يتصدّى للتشريع أن يتجاهل ما تتركه أحكامه في حياة الناس؟ وكيف يُطلب من امرأة أن تثق بقانون تشعر أنّه يقف فوق رأسها، بدلاً من أن يقف إلى جانبها حين تحتاج إلى الحماية؟ لقد مرّت المدونة عبر البرلمان رغم الاعتراضات. وكان الأجدر بمن صوّتوا لها أن يتوقّفوا أمام الأسئلة التي تمسّ جوهر العدالة: أين إرادة المرأة؟ أين استقرار الطفل؟ وأين حقّ الإنسان في ألّا يُعاد تشكيل مصيره وفق رغبة طرف آخر؟ وما يزيد الطين بلّة أنّ هذا المسار وجد استحساناً ورضاً لدى من لم يتوقّفوا بما يكفي أمام نتائجه على بناء العائلة. راحوا يحتفون بما يرونه انتصاراً، بينما غاب عن احتفائهم وجه الأمّ القلقة، وصوت الطفل، وحياة المرأة التي ستتحمّل نتائج ما أقرّوه. ويثير الغضب أيضاً صمتُ بعض من يُفترض أنّهم يمتلكون أدوات المعرفة والنقد؛ من أدباء وأكاديميين ومثقّفين اختاروا الابتعاد عن المواجهة، وتخلّوا عن مسؤوليتهم في الاستنكار والوقوف إلى جانب المتضرّرات. لا أتجاهل من اعترض وكتب ودافع، لكنّني أسأل من صمت: ماذا بقي من معنى الثقافة إذا عجزت عن الدفاع عن كرامة الإنسان؟ وما جدوى الوعي إذا خفت صوته أمام سلطة تتدخّل في أدقّ تفاصيل حياة الآخرين؟ حين يُختزل وجود المرأة في جسد، وتُقدَّم الطاعة بوصفها معياراً لقيمتها، تُسلب منها إنسانيتها قبل أن تُنتقص حقوقها. المرأة عقل وإرادة ومشاعر وتجربة، ولها أحلام لا يحقّ لأحد أن يصادرها. ليست أداة للمتعة، ولا تابعاً ينتظر الإذن كي يعيش، ولا كائناً يحتاج إلى وصاية دائمة مهما بلغ من العلم والخبرة. كيف يمكن أن تعود عجلة الزمن ألفاً وأربعمائة عام، وأن تُطبّق أحكام باسم المذهب أو الدين من دون مساءلة مدى ملاءمتها لروح العصر وحياة الناس؟ كيف يُراد لمجتمع تغيّرت فيه طبيعة التعليم والعمل والعلاقات والمسؤوليات أن يخضع لتصوّرات تُستدعى من سياق تاريخي بعيد، وكأنّ القرون التي مرّت لم تحمل معرفةً ولا تجارب ولا تطوّراً في فهم الإنسان وحقوقه؟ إنّنا نعيش في زمن تختلف فيه حياة الأسرة واحتياجاتها عمّا كانت عليه قبل مئات السنين. ومن يحترم الإنسان عليه أن ينظر إلى واقعه، وأن يسمع صوته، وأن يقيس عدالة الحكم بما يتركه في حياته. أمّا الاحتماء بالماضي لفرض السلطة في الحاضر، فهو تهرّب من مواجهة السؤال الذي لا مفرّ منه: هل تحقق هذه الأحكام الإنصاف لمن يخضعون لها؟ بأيّ طريقة يفكّر هؤلاء، وبأيّ حقّ يقرّرون عوضاً عنّا، وكأنّنا ملك لهم؟ هل خُيّرتُ عند ولادتي في المذهب الذي أريد الانتماء إليه؟ ومن قال لكم إنّني أتّبع تفسيركم، أو أقبل أن تتحكّموا بحياتي باسمه؟ من منحكم حقّ تقرير مصيري ومصير أطفالي؟ وكيف تُمنحون هذه السلطة، ثم يُطلب منّي أن أصمت وأن أتقبّل ما تقرّرونه باعتباره قدراً لا يجوز الاعتراض عليه؟ هذه الأسئلة لا تُلغى بالتخوين، ولا تُجاب باتهام المرأة في إيمانها أو أخلاقها. من حقي أن أسأل، ومن حقي أن أرفض حكماً يمسّ كرامتي، ومن حقي أن أطالب بقانون يحترمني مواطنةً كاملة الحقوق. المرأة اليوم طبيبة ومهندسة ومعلّمة تربي أجيالاً، وباحثة وعاملة تتحمّل مسؤوليات لا تقلّ عن مسؤوليات الرجل. فهل هي بحاجة إلى وصايتكم؟ كيف تثقون بها حين تعالج مرضاكم وتعلّم أبناءكم، ثم تشكّكون في قدرتها على اتخاذ القرار في حياتها؟ وكيف تُطلب منها المسؤولية كاملةً، وتُمنح الحقوق منقوصةً؟ وحتى المرأة التي لم تتعلّم أو تعمل خارج بيتها، لا تنقص إنسانيتها ولا يسقط حقّها في الكرامة. حقوق النساء لا تُمنح مكافأةً على شهادة أو وظيفة؛ إنّها حقوق تلازمهنّ لأنّهنّ بشر. أمّا الطفل، فلا يجوز أن تتحوّل حياته إلى ساحة لفرض السلطة أو تصفية الخلافات. حين تجعل المادة ٨١ من المدونة انتقال الحضانة إلى الأب بعد سنّ السابعة هو الأصل، يصبح من الضروري أن نسأل عن مكان حاجات الطفل وعلاقته بمن رعاه واستقراره النفسي في هذا القرار. وقد استند القضاء إلى هذا الحكم مع اعتبار ثبوت عدم أهلية الأب مانعاً من الحضانة. هل يبلغ الطفل السابعة فيتوقّف احتياجه إلى أمّه؟ هل تنتهي سنوات السهر والرعاية والاحتضان عند هذا الحدّ؟ ولماذا يُفرض على الأمّ أن تعيش وهي تعدّ السنوات خوفاً من لحظة قد تُنتزع فيها منها الحياة التي بنتها مع طفلها؟ الحضانة مسؤولية تجاه إنسان صغير يحتاج إلى الأمان. والعدل يقتضي النظر إلى ظروفه الفعلية، وإلى من يرعاه ويحميه، وإلى الروابط التي قامت عليها حياته. لا يجوز أن يضيع صوته بين نصّ جامد وصراع الكبار على حقوقهم. لقد نشأت الأحكام الفقهية في أزمنة لها ظروفها وقواعدها وبنيتها الاجتماعية، وشكّلت جزءاً من تنظيم الحياة في سياقاتها. لكنّ استدعاءها اليوم يقتضي مساءلتها في ضوء واقع تغيّر، ومعرفة اتّسعت، وحقوق لم يعد مقبولاً تجاهلها. نحن في زمن لا تمنح فيه قوّة السيف أو سلطة المنبر أحداً حقّ احتجاز حرية الآخرين، ولا تجعل بلاغة الخطاب حكماً مجحفاً أقرب إلى العدالة. المشكلة ليست في إيمان الناس، بل في تحويل تفسير ديني إلى أداة تُفرض بها الوصاية عليهم، ثم إحاطته بحصانة تمنع النقد. إنّ الذين يتحدّثون باسم الدين لا يصبحون فوق المساءلة، والذين يشرّعون باسمه يبقون مسؤولين عمّا تفعله تشريعاتهم بالناس. إلى من أقرّوا هذه المدونة: ماذا تعرفون عن خوف أمّ تنتظر حكماً قد يغيّر علاقتها بأطفالها؟ ماذا تعرفون عن امرأة تحاول أن تستعيد حياتها، ثم تجد القانون يزيد الطريق أمامها صعوبة؟ وهل سمعتم أصوات المتضرّرات كما سمعتم أصوات المدافعين عن سلطتكم؟ لقد تاجرتم بالدين حين جعلتموه وسيلةً لاكتساب النفوذ وإسكات الاعتراض. وحين وجدتم تلك التجارة رابحةً، مضيتم أبعد، حتى امتدّت سلطتكم إلى حياة المرأة وجسدها وأحلامها. وأيّ استهانة أشدّ من أن يُتّخذ القرار عنها، ثم يُقال لها إنّ ما فُرض عليها إنّما فُرض لمصلحتها؟ إنّ مدونة تعجز عن إنصاف الأمّ وحماية الطفل تفشل في أداء واجبها الإنساني، مهما أحاطها أصحابها من تبريرات. ومواجهة هذا الفشل مسؤولية يجب أن يحملها كلّ من يؤمن بالعدالة: بالكتابة، والتوثيق، والعمل القانوني، والتنظيم المدني، والمطالبة بإلغاء الأحكام المجحفة وضمان حقوق المتضرّرات وأطفالهنّ. أؤمن أنّ هذه الأحكام يجب أن تُلغى، وأنّ استمرارها لا يمنحها الشرعية الأخلاقية. لكنّ إلغاءها يحتاج إلى أصوات لا تتراجع، وإلى عمل لا يكتفي بالغضب، وإلى تضامن يجعل المرأة التي تواجه الظلم تشعر أنّها ليست وحدها. قد تبقى المدونة اليوم نافذةً، لكنّها لن تكون بمنأى عن حكم الناس والتاريخ. ستبقى معاناة ضحاياها شاهدةً على من أقرّوها، وستلاحقهم الأسئلة التي حاولوا تجاهلها. فالتاريخ لا يتذكّر ما قاله أصحاب السلطة عن أنفسهم فحسب؛ يتذكّر أيضاً ما فعلوه بمن كانت حمايتهم واجباً عليهم. المرأة ليست ملكاً لكم، والطفل ليس موضوعاً تتنازعون عليه، والعائلة ليست ساحةً لفرض نفوذكم. لنا حقّ في حياة تصان فيها كرامتنا، وفي قانون يسمع أصواتنا، وفي مستقبل لا تقرّرونه نيابةً عنّا.