أثار تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959، بموجب القانون رقم (1) لسنة 2025، نقاشاً واسعاً حول إخضاع عقود الزواج المبرمة قبل نفاذ التعديل لأحكام المدونة الجعفرية. وتبرز في هذا النقاش إشكالية قانونية أساسية تتعلق بمدى جواز السماح لأحد الزوجين بطلب تطبيق أحكام المذهب الجعفري على عقد سابق، من دون اشتراط موافقة الطرف الآخر.
وفي معرض الدفاع عن هذا الإجراء، يُستند إلى أن وجود المهر المؤجل بصيغة معينة يدل على أن الزواج انعقد أصلاً وفق المذهب الجعفري، وأن تسجيل العقد في المحكمة لم يكن سوى إجراء شكلي لتوثيق زواج أبرم وفق الأحكام الشرعية الجعفرية. غير أن هذا التبرير يثير أسئلة تتعلق بحجية القرائن الاجتماعية، والإرادة التعاقدية، واستقرار المراكز القانونية. فهل يجوز تغيير النظام القانوني الحاكم لعقد الزواج بإرادة أحد الزوجين، استناداً إلى قرائن اجتماعية لا تثبت بالضرورة إرادة الطرفين؟
وعند محاولة تفكيك الأمر، تبرز مجموعة من الأسئلة الأساسية:
أولا: هل يثبت المهر المؤجل بصيغة معينة اختيار المذهب الجعفري؟
يستند بعض المدافعين عن تطبيق المدونة على العقود القديمة إلى أن المهر المؤجل بصيغة محددة من الممارسات الشائعة في الزواج الجعفري، ويرون في وجوده قرينة على أن الزوجين أبرما زواجهما أصلاً وفق هذا المذهب، حتى لو سُجّل العقد أمام المحكمة استناداً إلى قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.
لكن هذا الاستدلال يحتاج إلى تدقيق؛ فالمهر المؤجل قد يُحدَّد بصيغ متعددة، ولا يقتصر استعمالها على مذهب فقهي واحد، كما أن وجود صيغة معينة لا يكفي، بمفرده، لإثبات أن الزوجين اختارا نظاماً قانونياً محدداً. وشيوع ممارسة اجتماعية في بيئة مذهبية معينة لا يجعلها دليلاً قاطعاً على إرادة كل فرد ينتمي إلى تلك البيئة.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: الانتماء المذهبي، والاتفاق على المهر وشروطه، واختيار النظام القانوني الذي يحكم العلاقة الزوجية. فقد تتداخل هذه الأمور في الواقع الاجتماعي، لكنها ليست متطابقة بالضرورة من الناحية القانونية.
وحتى إذا ثبت أن الزوجين أبرما عقداً شرعياً سابقاً وفق المذهب الجعفري، فإن ذلك لا يحسم وحده جميع المسائل المتعلقة بآثار العقد المسجل في المحكمة، أو بالنظام القانوني الواجب التطبيق على النزاعات المستقبلية. فهذه مسائل تستلزم بحثاً في ضوء الوقائع والمستندات والقواعد القانونية ذات الصلة.
ثانيا: هل كان العقد المسجل في المحكمة مجرد إجراء شكلي؟ أم ربما يكون شرطا على العقد الجعفري وأن كان ضمنيا متعارفا عليه عرفاً ارتكازياً ؟
إن القول بأن العقد الرسمي لم يكن سوى إجراء شكلي يثير سؤالاً جوهرياً: ما الدليل على أن الطرفين قصدا استبعاد الآثار القانونية المترتبة على تسجيل زواجهما وفق القانون النافذ؟ فتسجيل الزواج أمام المحكمة ليس واقعة يمكن تجاهلها بمجرد افتراض وجود ممارسة دينية سابقة أو موازية. وإذا ادُّعي وجود عقد شرعي سابق يختلف في دلالته القانونية عن دلالة العقد المسجل، فإن إثبات ذلك يتطلب النظر في ظروف إبرامه ومضمونه وما يمكن أن يترتب عليه قانوناً.
ولا يصح الانتقال من وجود مهر مؤجل بصيغة "عند المطالبة والميسرة "إلى افتراض عقد جعفري سابق، ثم الانتقال من هذا الافتراض إلى اعتبار التسجيل القضائي إجراءً شكلياً، من دون أدلة مستقلة تُسند كل خطوة من خطوات الاستنتاج. وتكمن خطورة هذا التبرير في احتمال تحويل قرينة اجتماعية غير حاسمة إلى أساس لإعادة تحديد النظام القانوني الذي يحكم علاقة زوجية قائمة أو منتهية بالطلاق.
ثالثا: من الإرادة المفترضة إلى الإرادة المنفردة
حتى لو أمكن إثبات أن الزوجين كانا ينتميان إلى المذهب الجعفري عند إبرام الزواج، فإن هذا الانتماء المذهبي لا يثبت بالضرورة موافقتهما على إخضاع علاقتهما لجميع أحكام مدونة تصدر لاحقاً، ولا على تغيير النظام القانوني الحاكم لعقدهما بناءً على طلب أحدهما وحده.
فالإرادة الدينية ليست هي الإرادة التعاقدية، واختيار المذهب ليس بالضرورة اختياراً لكل حكم فقهي منسوب إليه، كما أن الرضا بإجراء عقد الزواج لا يعني تلقائياً الرضا بكل تغيير تشريعي لاحق في آثاره.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تكفي إرادة أحد الزوجين لتغيير الإطار القانوني الذي يحكم علاقة تتضمن حقوقاً والتزامات متبادلة، أم ينبغي أن يخضع هذا الانتقال لضمانات تراعي مصالح الطرفين واستقرار مراكزهما القانونية؟
إن الاعتراف بحرية المواطنين في تنظيم أحوالهم الشخصية وفقاً لمعتقداتهم لا ينهي هذا النقاش، بل يجعل من الضروري تحديد كيفية ممارسة هذه الحرية عندما تترتب عليها آثار قانونية مباشرة تمس الطرف الآخر
حماية الإرادة أم افتراضها؟
لا ينبغي أن يتحول النقاش بشأن إخضاع عقود الزواج القديمة للمدونة الجعفرية إلى خلاف حول شرعية مذهب أو أحقية المواطنين في ممارسة معتقداتهم. فالمسألة الأعمق تتعلق بكيفية الانتقال من نظام قانوني إلى آخر، وبالضوابط التي ينبغي أن تحكم هذا الانتقال عندما تكون العلاقة قائمة أو عندما تظل آثارها القانونية قائمة بعد انتهائها.
ولا يكفي الاستدلال بشيوع صيغة معينة للمهر المؤجل لإثبات اختيار نظام قانوني محدد، كما لا يكفي افتراض وجود عقد شرعي سابق لتجريد العقد المسجل في المحكمة من دلالته القانونية. والأهم أن إثبات الانتماء المذهبي لا يعادل إثبات الموافقة المشتركة على جميع الآثار القانونية المترتبة على تطبيق المدونة.
إن عدالة التشريع لا تُقاس فقط بقدرته على إتاحة الاختيار، بل أيضاً بقدرته على حماية الحقوق الناشئة عن العلاقات القانونية القائمة أو المنتهية. ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كان أحد الزوجين يستطيع التعبير عن اختياره المذهبي، بل ما إذا كان هذا الاختيار الفردي يبرر وحده تغيير النظام القانوني الذي يحكم الطرفين.
فحين تُفترض الإرادة بدلاً من إثباتها، وتُستنتج الموافقة القانونية من ممارسة اجتماعية، يصبح من الضروري مساءلة الأساس الذي تُبنى عليه النتائج التشريعية. فالقانون لا ينبغي أن ينتقل مباشرة من واقعة اجتماعية محتملة إلى نتيجة قانونية ملزمة، من دون التحقق من مدى دلالة تلك الواقعة، ومن توافر الشروط القانونية اللازمة لترتيب آثارها.