ليس العامل مجرد رقم في ملاك وزارة، ولا وظيفة تضاف إلى جدول الرواتب، ولا اسمًا يمكن نقله من شركة إلى أخرى بقرار إداري. العامل هو الذي يصنع الإنتاج، ويحافظ على استمرار عمل المؤسسات، ويقدّم سنوات عمره في مواقع العمل. ولذلك، فإن أي تغيير في صفته القانونية أو وضعه الوظيفي يجب ألا يتحول إلى وسيلة لانتزاع حقوقه أو لسلبه أدوات الدفاع عن مصالحه.
في العراق، تعود إحدى المشكلات الأساسية إلى قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 150 لسنة 1987، الذي اعتبر جميع العمال في دوائر الدولة موظفين، وأخضعهم لقوانين الخدمة والانضباط المطبقة على الموظفين، وحصر التنظيم النقابي للعمال في القطاع الخاص. وهكذا جرى نقل شريحة واسعة من العمال من الإطار العمالي إلى الإطار الوظيفي، من دون أن يرافق ذلك بناء منظومة حديثة تكفل لهم حقهم في التنظيم والتمثيل الجماعي داخل مؤسسات الدولة.
المفارقة أن قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 ينص صراحة على أن حرية العمل مصونة، وأن المبادئ الأساسية للعمل تشمل الحرية النقابية والإقرار الفعلي بحق المفاوضة الجماعية، لكنه يستثني الموظفين العموميين المعينين وفق قانون الخدمة المدنية من نطاق تطبيقه. وفي الوقت نفسه، لا يزال قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987، الذي يقتصر على عمال القطاعات الخاص والمختلط والتعاوني، قائمًا، الأمر الذي جعل مسألة التمثيل النقابي للعاملين في مؤسسات الدولة واحدة من الملفات العالقة في التشريع العراقي. وقد أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن هذا الوضع يشكل عائقًا أمام حرية التنظيم النقابي والتمثيل الجماعي في القطاع العام.
بين صفة الموظف وحقوق العامل
المشكلة لا تتعلق بالتسمية وحدها. فعندما يفقد العامل الإطار النقابي الذي يمثله، يصبح أكثر عرضة لقرارات فوقية تتعلق بمستقبله الوظيفي، من دون طرف جماعي قادر على التفاوض والمطالبة وضمان المصالح.
ويزداد الأمر خطورة عندما تكون أجور بعض العاملين والعقود دون المستوى الذي يضمن حياة لائقة. فالحد الأدنى العام لأجور العمال المشمولين بقانون العمل يبلغ 350 ألف دينار شهريًا، وفق البيانات المتاحة لعام 2026، فيما ينص قانون العمل على ألا يقل أجر العامل عن الحد الأدنى القانوني. لكن وجود الحد الأدنى في النص لا يعني بالضرورة أن كل العاملين يتمتعون فعليًا بأجر عادل أو مستقر، خصوصًا مع اتساع أنماط العمل الهشة والعقود والأجور المتدنية.
وهنا ينبغي التفريق بين العامل المشمول بقانون العمل وبين الموظف العام، فالأخير خارج نطاق قانون العمل وفق المادة الثانية منه. لذلك، فإن الحديث عن أجر يقل عن الحد الأدنى للعامل يجب أن يحدد أولًا الإطار القانوني الذي يخضع له الشخص، حتى لا تختلط حقوق العامل بحقوق الموظف. لكن جوهر المشكلة يبقى واحدًا: لا يجوز أن يتحول اختلاف الصفة القانونية إلى مبرر لخفض الحماية الاجتماعية والاقتصادية.
شركات تُباع وعمال يدفعون الثمن
تظهر الأزمة بصورة أكثر وضوحًا في الشركات والمؤسسات الإنتاجية المملوكة للدولة. فبدلًا من النظر إلى العامل باعتباره جزءًا من العملية الإنتاجية، تتكرر سياسات إعادة الهيكلة والنقل وتقليص النشاط، وقد يجد العامل نفسه أمام خيارات صعبة: نقله إلى وزارة أو مؤسسة أخرى، منحه إجازة إجبارية، تقليص فرص العمل، أو إنهاء خدمته.
وقد أكدت محكمة التمييز الاتحادية في قرار صدر عام 2026 أن توقف نشاط مؤسسة ووضعها تحت الوصاية والتصفية لا يحرم العامل المسرّح من مستحقاته المالية، بما فيها مكافأة نهاية الخدمة والإجازات السنوية المتراكمة. وفي قضية أخرى، اعتبرت المحكمة فصل عامل غير قانوني بعدما اتخذت لجنة التحقيق قرارها من دون حضور ممثل العمال، استنادًا إلى المادة 140 من قانون العمل. وهذه الأحكام تذكير مهم بأن وجود ممثل للعمال ليس تفصيلًا شكليًا، بل ضمانة في مواجهة القرارات التي تمس مستقبل العامل.
أما طرح التقاعد المبكر بوصفه حلًا لمشكلة الشركات أو العمالة الزائدة، فيحتاج إلى نقاش مختلف تمامًا. فالتقاعد لا ينبغي أن يتحول إلى طريق مختصر للتخلص من العمال، ولا إلى قرار يُفرض على العامل تحت ضغط توقف الإنتاج أو بيع الشركة أو إعادة هيكلتها. وأي إصلاح من هذا النوع يجب أن يضمن الاختيار الحقيقي، والحقوق التقاعدية الكاملة، والتعويض العادل، وألا يكون بديلًا عن معالجة أسباب تراجع الشركات الإنتاجية.
النقابات مطالبة باستعادة دورها
أمام هذه التحولات، تصبح إعادة بناء الدور النقابي ضرورة لا ترفًا. المطلوب ليس فقط الدفاع عن العامل عندما يفقد وظيفته، بل الحضور منذ اللحظة التي تبدأ فيها مناقشة مستقبل الشركة أو المؤسسة.
والاتحادات والنقابات العمالية مطالبة بأن تعيد تنظيم جهودها للدفاع عن حقها في تمثيل الطبقة العاملة في المؤسسات الحكومية والشركات العامة، وأن تجعل ملف الحرية النقابية والتفاوض الجماعي في القطاع العام جزءًا أساسيًا من عملها. وهذا يتطلب أيضًا توحيد المواقف النقابية، وتوثيق الانتهاكات، ومتابعة ملفات الخصخصة والبيع وإعادة الهيكلة، والدفاع عن حق العمال في المشاركة في القرارات التي تمس أعمالهم وأجورهم ومستقبلهم.
إن الدفاع عن المؤسسات العامة لا يعني الدفاع عن الإدارة الفاشلة، كما أن إصلاح المؤسسات لا يعني التضحية بالعامل. المطلوب هو إصلاح يربط بين حماية المال العام، وتطوير الإنتاج، وتحسين الإدارة، وضمان حقوق العاملين.
لقد مضت سنوات طويلة على التشريعات التي أبعدت عمال القطاع العام عن التنظيم النقابي. وفي ظل استمرار النقاش حول مشروع قانون جديد للتنظيم النقابي، فإن الفرصة قائمة لمعالجة هذا الاختلال تشريعيًا، بما ينسجم مع مبادئ الحرية النقابية وحق التنظيم والمفاوضة الجماعية التي التزم بها العراق دوليًا. وقد ناقشت الجهات العراقية، بدعم فني من منظمة العمل الدولية، مشروع قانون جديد للتنظيم النقابي بهدف تجاوز القيود القائمة.
إن العامل الذي شغّل المصنع لعقود لا يمكن أن يصبح فجأة فائضًا عن الحاجة. والعامل الذي أفنى عمره في شركة إنتاجية لا ينبغي أن يكون أول من يدفع ثمن فشل الإدارة أو قرارات البيع. كما أن التقاعد المبكر لا يمكن أن يكون عنوانًا آخر لتقليص قوة العمل.
القضية في جوهرها ليست قضية وظيفة أو راتب فقط، بل قضية حق العامل في أن يكون له صوت. وحين تغيب النقابة عن مكان العمل، تصبح القرارات المتعلقة بالعامل أكثر سهولة في اتخاذها من دون مشاركته. أما حين تكون النقابة حاضرة، مستقلة وقادرة على التفاوض، فإن العامل لا يعود فردًا يواجه القرار وحده، بل طرفًا اجتماعيًا له حق في النقاش والتفاوض والدفاع عن مستقبله.
لهذا، فإن استعادة الحضور النقابي في مؤسسات الدولة والشركات العامة ليست عودة إلى الماضي، بل استجابة لحاجة الحاضر: أن يكون للعامل ممثل حقيقي عندما يُناقش أجره، وعمله، وشركته، وتقاعده، ومستقبله.