تثير قضية تدهور القطاع الزراعي وتراجع وضع الفلاح في العراق تساؤلات قاسية وواقعية، خاصة لدى العاملين والمتخصصين في هذا المجال الحيوي. وما يشهده القطاع ليس نتيجة عامل واحد أو "طرف خفي" بعينه، بل هو محصلة تقاطع عوامل سياسية واقتصادية وإقليمية، إلى جانب التغيرات المناخية على المستويين الإقليمي والدولي.
يأتي في مقدمة هذه العوامل السياسات المائية لدول المنبع. فقد أدى إنشاء السدود والمشاريع المائية الكبرى على نهري دجلة والفرات وروافدهما في تركيا وإيران إلى انخفاض حاد في التدفقات العابرة للحدود وتقليص حصص العراق المائية. وقد تراجع إنتاج النهرين، اللذين يوفران نحو 98 في المائة من المياه السطحية في العراق، بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة خلال العقود الأربعة الماضية، بفعل السدود وقلة الأمطار وزيادة التبخر. وبحسب أرقام وزارة الزراعة، يحتاج العراق إلى نحو 70 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، بينما لا يتوفر له سوى 53 مليار متر مكعب. وترتب على تراجع التدفقات العذبة انخفاض مناسيب المياه وتداخل مياه الخليج المالحة في شط العرب، إضافة إلى تفاقم ملوحة التربة والمبازل في وسط البلاد وجنوبها.
ولا يمكن تحميل الخارج وحده المسؤولية، فللإدارة المائية والسياسات الزراعية المحلية نصيبها. فالتلكؤ في التحول الشامل نحو تقنيات الري الحديثة، كالرش المحوري والثابت والري بالتنقيط، أدى إلى هدر كميات كبيرة من المياه. كما أن تأخر صرف مستحقات الفلاحين عن المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشلب، وعدم كفاية خطط التعويض عن الجفاف والآفات، يؤثران مباشرة في قدرتهم المالية. يضاف إلى ذلك ضعف حماية المنتج المحلي، إذ تنافسه المحاصيل المستوردة الرخيصة بسبب إغراق السوق وعدم ضبط المنافذ الحدودية على النحو الأمثل، فتضعف الجدوى الاقتصادية للزراعة ويُجبر الفلاحون على ترك أراضيهم.
ويضغط المناخ بدوره على القطاع. فالعراق يعاني ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة وانحباساً للأمطار، مما سرّع معدلات التصحر وجفاف الأهوار وقلّص المساحات الصالحة للزراعة. ويكفي دليلاً على ذلك ما أعلنه وكيل وزارة الزراعة مهدي الجبوري في تموز 2026 من أن الأراضي التي كانت تُروى بالطرق التقليدية تراجعت من 6 ملايين دونم إلى مليوني دونم فقط، بسبب شح الاحتياطيات المائية الاستراتيجية. وقد فاقم ذلك الإفراط في الري التقليدي دون شبكات بزل حديثة، فتملحت الأراضي وانخفضت إنتاجيتها.
وتتداخل مع هذه العوامل تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فتراجع مدخولات الزراعة يدفع الشباب والعوائل الفلاحية إلى الهجرة نحو المراكز الحضرية بحثاً عن فرص عمل في القطاعات الحكومية أو الخدمية، مما يعمق مشكلة البطالة ويولد ضغوطاً واضطرابات اجتماعية داخل المجتمع الفلاحي وعلى أطراف المدن. ويضاف إلى ذلك اعتماد الدولة شبه الكلي على الإيرادات النفطية، وهو اعتماد أضعف التركيز الاستراتيجي على دعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة.
وخلاصة القول إن النهوض بالواقع الزراعي واستعادة عافية الأراضي والمجتمعات الفلاحية يتطلبان رؤية شاملة قوامها حماية المنتج الوطني، وتحديث وسائل الري، وإدارة ملف المياه بفاعلية مع دول المنبع، وتوفير دعم مباشر ومنتظم للفلاح العراقي.
ـــــــــــــــــــــــــــ
* مهندس زراعي استشاري