تشير بيانات جديدة صادرة عن معهد أوسلو لأبحاث السلام (PRIO) إلى أن واحدة تقريبًا من كل خمس نساء على قيد الحياة اليوم تقضي أيامها على مقربة من حرب لم تكن هي من أشعل فتيلها. وقد كشف التقرير، الذي يحمل عنوان "النساء المعرضات للنزاع المسلح: 1990-2025"، أن 756 مليون امرأة حول العالم عشن - خلال عام 2025 - على مسافة لا تتجاوز 50 كيلومترًا من مواقع شهدت أحداث نزاع دامٍ؛ وهو عدد يفوق إجمالي سكان الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك مجتمعين. وقد تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات تقريبًا منذ عام 1990، مواكبًا بذلك تصاعدًا عامًا في النزاعات العالمية التي دفعت بمستويات العنف إلى أعلى درجاتها منذ عقود.
وباتت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بؤرة لهذا التحول؛ إذ تقيم فيها حاليًا ثلث النساء اللواتي يعشن بالقرب من مناطق النزاع، كما تضاعف إجمالي عدد النساء في المنطقة خمس مرات منذ عام 2010 وحده. وعلى عكس الحروب قصيرة الأمد والأكثر بروزًا في مناطق أخرى، تحولت العديد من هذه النزاعات إلى حالات جمود استمرت لعقود؛ حيث قضت ما يقرب من عُشر نساء المنطقة أكثر من 10 سنوات في ظروف العنف المسلح، وهي فترة زمنية تعيد تشكيل مراحل الطفولة والمسارات المهنية بأكملها، بدلًا من مجرد التسبب في انقطاع مؤقت لها.
وتشير بيانات المعهد إلى أن الفجوة بين حجم هذه النزاعات ومدى تسليط الضوء عليها تزداد اتساعًا، وذلك مع تفاقم النزاعات في أفريقيا وتآكل الآليات الدولية المخصصة للاستجابة لها. وفي هذا السياق، صرحت سيري آس روستاد، مديرة الأبحاث في المعهد ومُعدّة التقرير، بأن النزاعات باتت تطال عددًا من النساء يفوق أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. وقالت روستاد: إن هذه الأرقام تتجاوز كونها مجرد مقياس للعنف؛ فهي تعكس واقع ملايين الأرواح التي تشكلت ملامحها بفعل انعدام الأمن، وتعطل الرعاية الصحية، وفقدان فرص التعليم، وتضاؤل الخدمات المتاحة.
وتستند هذه البيانات إلى مزيج من المصادر، ولا يقتصر هدفها على رصد أماكن اندلاع الحروب فحسب، بل يسعى أيضًا إلى تحديد هوية من يعيشون في نطاق تأثيرها المباشر؛ إذ يعني القرب من مناطق النزاع بالنسبة إلى النساء - بشكل متزايد - ضرورة التعامل مع انهيار الأنظمة الصحية، وانقطاع التعليم، وتآكل الأمن الشخصي، وليس مجرد مواجهة القتال ذاته.
ويربط التقرير هذا التعرض للنزاع بشكل مباشر بتراجع ملموس في مستويات رفاه المرأة. وتسجل البلدان التي تضم أكبر أعداد من النساء المتأثرات بالنزاعات نتائج أسوأ بكثير في "مؤشر المرأة والسلام والأمن" العالمي، وهو مقياس مركب يقيس مستويات إدماج المرأة وتحقيق العدالة والأمن لها، ويشمل أكثر من 170 دولة.
وتتمحور فكرة رئيسية في التقرير حول التباين بين بؤر اهتمام العالم ومواقع النزاعات الفعلية؛ فبينما استحوذت أوكرانيا وغزة على النصيب الأكبر من التغطية الإعلامية الدولية والجهود الدبلوماسية في السنوات الأخيرة، تُظهر بيانات معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO) أن النزاعات تتوسع بوتيرة أسرع في مناطق أخرى نادرًا ما تتصدر عناوين الأخبار الدولية، فيما أصبحت بعثات الأمم المتحدة الجديدة لحفظ السلام أكثر ندرة رغم تزايد النزاعات، وانخفضت مساعدات التنمية الموجهة إلى الدول الهشة بشكل حاد في السنوات الأخيرة، مقابل تزايد عمليات نقل الأسلحة إلى بعض المناطق نفسها التي تعاني من النزاعات؛ مما يتطلب التزامًا دوليًا متجددًا بمنع النزاعات، وحفظ السلام، والتعاون متعدد الأطراف.
ويحذر التقرير من أن غياب هذا الالتزام قد يرفع عدد النساء اللواتي يعشن في ظل الحروب. كما أن التعامل مع تعرض النساء للنزاعات باعتباره مجرد تفصيل هامشي ضمن إحصاءات أمنية أوسع نطاقًا يؤدي إلى حجب أزمة باتت تُقاس بمئات الملايين، وليس بالآلاف.