اخر الاخبار

يمر الأمل في مصير الشعوب عبر بوابتي الفكر الخلاق والإنتاج المادي الحقيقي وحين يغيب هذا وذاك تقع الأوطان في فخ الوجود الشكلي تستهلك دون أن تنتج وتستنزف دون أن تبني. هذا هو جوهر التراجيديا العراقية المعاصرة حيث تقف الدولة على بحر من النفط وتفتقر إلى صلب الحياة الاقتصادية المستقلة.

إن الاقتصاد الريعي ليس مجرد نظام مالي يعتمد على بيع الثروات بل هو فلسفة تشويه للمجتمع وأداة تحول الفرد من صانع للقيمة إلى مستهلك منتظر لفتات الميزانية حين تصبح السلطة هي المصدر الوحيد للرزق يتحول مفهوم المواطنة من حق إنساني أصيل إلى عقد إعالة قسري.

لقد أدى الاعتماد الكلي على النفط إلى قتل روح المبادرة والإنتاج بعدما أُعدمت القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة على مذبح الاستيراد السهل لتندفع القوى المعطلة نحو الوظيفة الحكومية كملجأ أخير للأمان في ظل تفكك التضامن المجتمعي وتصاعد النمط الاستهلاكي الهش، كما بات الشارع العراقي رهيناً لتقلبات البورصة العالمية يرتفع أمله بارتفاع سعر البرميل ويهوى إلى قاع الفقر كلما اهتزت الأسواق، ولم يكن لهذا الاقتصاد أن يستشري لولا وجود نظام سياسي يتغذى عليه حيث تجلت خطورة حكومات المحاصصة في تكريس الريع لخدمة بقائها.

إن نظام المحاصصة لا يرى في الدولة كياناً لبناء الإنسان بل يراها غنيمة يجب تقسيمها والريع النفطي هو الشريان الذي يغذي هذا التقسيم، واستغلت أحزاب السلطة المال العام لتأسيس شبكات نفوذ زبائنية عبر التعيينات العشوائية لشراء الولاءات الانتخابية وإعادة إنتاج الذات، وفي حين تدفع الجماهير الضرائب في الدول الإنتاجية لتطالب بالحساب والرقابة فإن الدولة الريعية هي من تمنح العيش للشعب مما يضعف المساءلة ويشرعن الفساد. كما أدى حصر الاقتصاد في تصدير النفط الخام واستيراد الأدنى من المقومات إلى إبقاء العراق مرتهناً لتقلبات النظام الرأسمالي العالمي ومصالح القوى الإمبريالية.

إن الخروج من هذه الزاوية الحرجة لن يكون عبر ترقيع القوانين بل يبدأ من وعي جمعي رافض لنموذج المحاصصة ، كما إن الشارع العراقي مطالب اليوم بإدراك أن معركته ليست مع الفساد المالي كمرض بل مع بنية الدولة الريعية المحاصصية كجذر للمرض، فلا سيادة لوطن لا ينتج غذاءه ودواءه ولا حرية لإنسان يعيش على صدقات السلطة وأن تفكك بنيان المحاصصة نحو اقتصاد إنتاج وطني هو الشرط الأول لاستعادة الكرامة والعدالة الاجتماعية.