اخر الاخبار

يواجه الإنتاج الزراعي في العراق، منذ عقود، ظروفًا قاسية تسببها الأحوال المناخية الحارة والجافة صيفًا، وقلة الأمطار في الشتاء والربيع، وتدني خصوبة التربة الرسوبية وزيادة معدلات تملحها، وغياب استراتيجيات تنموية لهذا القطاع الهام، وتضارب الخطط التي اعتمدتها الحكومات لمعالجة مشاكل الزراعة، وفشل أغلبها في الوصول إلى أهدافها المرسومة، وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الحيوان والآفات الزراعية، إلى جانب نقص الأيدي العاملة وتدني مستوى معارفها العلمية.

ومما زاد في الطين بلة، تناقص مياه الرافدين الأساسيين، دجلة والفرات، بسبب تقليص الإطلاقات من دول المنبع، حيث فقد العراق مؤخرًا نحو 90 في المائة من المياه التي كانت تتدفق إليه من إيران وحوالي 70 في المائة من المياه القادمة من تركيا، مما تسبب في أزمة شديدة بالإمدادات المائية وترك آثارًا سلبية على الإنتاج الزراعي والحيواني، لاسيما عندما ترافق هذا الحصار المائي مع جفاف استثنائي تشهده البلاد هذا العام.

ولما كانت كمية المياه في رافدي العراق ثابتة على مدى طويل، إذا استثنينا التقليص غير الشرعي لإطلاقات المياه من قبل تركيا وإيران، فإن مهمة تطوير إدارة الموارد المائية في البلاد وإعادة توزيعها بما يحقق أعلى استثمار لها يدرّ على العراق إنتاجًا زراعيًا وفيرًا، يجب أن تحتل الموقع الأبرز في النشاط الحكومي والمجتمعي.

وعلى الرغم من وجود العديد من البرامج التي يمكن أن تساهم بشكل ما في إنجاز هذه المهمة، فإن الحل الجذري والشامل يتمثل في تنسيق هذه البرامج ضمن استراتيجية علمية تحتوي على خطط عملية لتطبيقها.

وينبغي أن يكون من أولويات تلك الاستراتيجية تطوير المعارف الأساسية لدى الفلاحين حول دور الماء في حياة النبات وإنتاج محاصيل بكميات وفيرة ونوعية جيدة، وإطلاق حملة وطنية شاملة لحماية المياه من الهدر.

كما ينبغي الإسراع في اعتماد الري بالتنقيط، الذي يقلل الحاجة للمياه بنسبة 80 في المائة مقارنة بالري التقليدي، وجدولة الري بدقة، فالإدارة الذكية للمياه لا تتعلق فقط بكيفية توصيلها، بل أيضًا بتجنب نقص الري أو الإفراط فيه، أي تحديد أوقات الري وكمية المياه وعدد الريات، مع مراقبة الطقس وقياس رطوبة التربة لتحديد حاجة النباتات الفعلية للماء، والري ليلاً أو في أوقات انخفاض درجات الحرارة.

إن زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف، واعتماد أصناف محاصيل مطورة جينيًا لتتحمل شحة المياه، ودعم الزراعة الديمية مع توفير الري التكميلي على ضوء دراسات بيئية ومناخية تحدد المناطق الصالحة، يعد جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية، التي ينبغي أن تتضمن أيضاً تشجيع رعي المزارع بعد الحصاد وذلك لإعادة تنمية الغطاء النباتي، وزيادة امتصاص الحقول للمياه، وتقليل جريانها، مما يجعلها أكثر مقاومة للجفاف، ويزيد المواد العضوية في التربة، إلى جانب استخدام مواد لتغطية التربة للحفاظ على الرطوبة وتقليل نمو النباتات المستهلكة للماء والتبخر، خاصة وأن هذه المواد تتحلل تدريجيًا وتتحول إلى سماد يحسن قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه.

ويمكن أن يضاف إلى ذلك استخدام النباتات الخضرية التي لا تحتاج للماء بكثرة وقادرة على تثبيت النيتروجين في التربة، مما يحافظ على الأرض ويحسن خصوبتها وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه. ولا يفوتنا الإشارة إلى أن اعتماد الزراعة العضوية يحسن قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، ويحولها إلى تربة صحية غنية بالمواد العضوية والأحياء الدقيقة، وتحافظ على منسوب المياه الجوفية وتمنع تلوثها.

وأخيرًا، ورغم الاهتمام الواسع بتغيير أساليب الري، فإنه بقي اهتمامًا دعائيًا أجوف، إلا إذا اعتُبر إرغام الفلاحين على استخدامها في ظل غياب المستلزمات الفنية والمالية "سياسة نافعة"!