الفلاح بين ضغوطات الدولة وتأخير مستحقاته المالية وتأخير توزيع الأسمدة والمدخلات الزراعية وبين غلاء الأسعار للأسمدة والمبيدات والبذور.
يعيش الفلاح اليوم في قلب "كماشة" اقتصادية صعبة؛ فهو الجندي المجهول في منظومة الأمن الغذائي، لكنه يجد نفسه محاصراً بين مطرقة القرارات الحكومية وسندان السوق المشتعل.
هذا الواقع المتردي ليس مجرد مشكلة مالية عابرة، بل هو تهديد مباشر لاستمرارية الزراعة كمهنة وكقطاع حيوي.
أبرز التحديات التي تخنق القطاع الزراعي
يمكن تلخيص الضغوطات التي واجهتها في نقاط أساسية ترسم ملامح معاناة الفلاح:
١- أزمة السيولة وتأخير المستحقات: الفلاح يعمل بنظام المواسم؛ تأخير صرف أثمان المحاصيل (مثل الحنطة والشعير) من قبل الدولة يعني عجز الفلاح عن سداد ديونه أو التحضير للموسم القادم، مما يدخله في دوامة "القروض الربوية" أو الديون المتراكمة.
٢- فجوة المدخلات الزراعية: عندما تتأخر الدولة في توزيع الأسمدة والبذور المدعومة، يضطر الفلاح للجوء إلى السوق السوداء. هنا يواجه غلاء الأسعار الذي لا يرحم، حيث ترتفع التكاليف بنسب قد تتجاوز الـ 50 في المائة أحيانا.
٣- جودة المبيدات والبذور: مع ارتفاع الأسعار في الأسواق الخاصة، تظهر مشكلة المبيدات والبذور "المغشوشة" أو رديئة الجودة، مما يؤدي إلى ضعف الإنتاجية وضياع الجهد والمال.
٤- غياب الدعم والحماية للمنتج: في كثير من الأحيان، تُفتح الحدود للاستيراد في وقت ذروة الحصاد المحلي، مما يؤدي إلى انخفاض أسعار المنتج الوطني لمستويات لا تغطي حتى تكلفة الإنتاج.
تأثير هذه الضغوطات على المدى البعيد
إذا استمر هذا الوضع دون حلول جذرية،
سنشهد تداعيات خطيرة:
١- الهجرة من الريف إلى المدينة: ترك الأراضي بوراً والبحث عن وظائف هامشية في المدن.
٢- تآكل الرقعة الخضراء: تحويل الأراضي الزراعية إلى مجمعات سكنية (تجريف الأراضي).
٣- فقدان السيادة الغذائية: الاعتماد الكلي على الاستيراد، مما يجعل الدولة رهينة لتقلبات الأسعار العالمية.
ما الذي يحتاجه الفلاح الآن؟
للخروج من هذه الأزمة، لا بد من تحرك حكومي يتجاوز "الوعود" إلى "التنفيذ":
١- أتمتة صرف المستحقات: لضمان وصول الأموال للفلاح فور تسليم المحصول.
٢- تفعيل الجمعيات التعاونية: لتكون وسيطاً قوياً يوفر الأسمدة والمبيدات بأسعار الجملة بعيداً عن جشع التجار.
٣- فرض قيود استيراد موسمية: لحماية المنتج المحلي أثناء موسم الحصاد.
"الفلاح ليس مجرد مهنة، بل هو صمام أمان للدولة؛ وكسر هذا الصمام يعني انهيار منظومة كاملة من الاستقرار المجتمعي."
ـــــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري