اخر الاخبار

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكل نظام دولي قام نظرياً على احترام سيادة الدول، وعدم استخدام القوة وحماية حقوق الإنسان، ومحاسبة منتهكي القانون الدولي، إلا أن هذا النظام، الذي بدا يوماً ما راسخاً، يشهد اليوم حالة تآكل غير مسبوقة، وصلت إلى حد وضعه في مهب الريح، مع تصاعد منطق القوة في العلاقات الدولية.

في الثالث من يناير 2026، شكل الاحتلال الأميركي لفنزويلا مثالاً صارخاً على هذا الانهيار، إذ جرى تجاهل القانون الدولي بشكل كامل، دون أي اعتبار لمبدأ السيادة أو الشرعية الدولية. هذا الحدث لم يكن استثناءً، بل جاء في سياق تاريخ طويل من انتهاكات أميركية متكررة للقانون الدولي، شملت اعتقال رؤساء دول، وفرض عقوبات، والتدخل العسكري دون محاسبة حقيقية.

لكن ما يميّز المرحلة الراهنة أن هذه الانتهاكات لم تعد تُغلّف بخطاب أخلاقي مقنع. فالشرائع التي توافق عليها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، من مواثيق حقوق الإنسان إلى قواعد العلاقات الدولية، يجري التخلي عنها تدريجياً. ويمكن اعتبار ما حدث بعد 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول مفصلية، مع إدخال مصطلح “الحرب على الإرهاب”، وهو مفهوم فضفاض بلا جغرافيا، بلا إطار زمني، وبلا أساس قانوني واضح، سمح بتجاوز غير محدود للقوانين الدولية.

مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، دخل النظام الدولي مرحلة أكثر خطورة. فقد قدّم ترامب واقعاً جديداً، مفاده أن الشيء الوحيد الذي يجب أن يمنع أي دولة من فعل ما تشاء هو قدرتها العسكرية، وأن هذا المنطق ينطبق على الدول الكبيرة طالما أن الضحية غير قادرة على المقاومة. لم يعد القانون رادعاً، بل أصبحت القوة هي المرجعية الوحيدة.

تجاوز ترامب حتى الخطاب التقليدي الذي كانت الولايات المتحدة تستخدمه حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، حديثه الوقح، وبكل صلافة، عن النفط الفنزويلي وثروات فنزويلا، يعكس منطق عصابات ومافيا أكثر مما يعكس سلوك دولة يُفترض بها احترام القانون الدولي. هذا هو منطق الوحشية الإمبريالية الصريح: نحن نمتلك القوة، وندخل بقوتنا لنهب ثروات الدول. صحيح أن لأميركا تاريخاً طويلاً من الانتهاكات، لكن ترامب دفع هذا السلوك إلى حدوده القصوى، وجرده من أي غطاء أخلاقي

الأخطر أن ترامب يعمل على “عقلنة” ما هو غير عقلاني، مفاجئاً من كان يعتقد بوجود حدود للسلوك غير العقلاني، تهديده لرئيس كولومبيا بألفاظ سوقية، وتهديده المباشر لكوبا، يؤكدان أن الخطوط الحمراء التقليدية في العلاقات الدولية قد مُسحت تماماً.

في هذا السياق، تبدو أوروبا تحت ضغط متزايد، ومطالَبة بموقف واضح من هذا المسعى الأميركي للاستيلاء على أراضٍ أو دول بحجج “استراتيجية” أو “الأمن القومي”. إلا أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا ما زالت متلكئة في مواجهة ترامب، كما أن روسيا والصين تلتزمان حذراً محسوباً، في المقابل، نجد إيطاليا واليمين الأوروبي يصفقان لترامب ويدعمان خطابه.

ومن المهم ان نعرف أن الأضرار التي أحدثها ترامب في العلاقات الدولية قد تستمر طويلاً بعده، لأنه أرسى قواعد جديدة، بينما لا تزال المرحلة الانتقالية غامضة، ولا يوجد بديل واضح يعيد الاعتبار للقانون الدولي.

أما في الشرق الأوسط، فإن تداعيات هذا المسار أكثر خطورة. الحصانة التي تمتعت بها إسرائيل، وحصانة الأقوياء عموماً، تكرس منطق الإفلات من العقاب، في ظل دعم ترامب، والتواطؤ الأوروبي، وصمت الغالبية العربية، يشعر بنيامين نتنياهو بقدرة استثنائية على فرض ما يريد بالقوة العسكرية، سواء في لبنان، أو جنوب سوريا، أو طبعاً في فلسطين، دون أي خوف من المحاسبة على الجرائم المرتكبة.

يتقاطع هذا المشهد مع التصعيد تجاه إيران، الذي يحمل أبعاداً اقتصادية ودولية، فإذا تعرضت إيران لضربة عسكرية، فإن 80 في المائة من واردات الصين النفطية ستكون مهددة، وهو بُعد اقتصادي بالغ الأهمية، كما أن ضرب فنزويلا سبق أن أضر بالصين (الشريك النفطي الأول للفنزويليين) ما يوضح أن هذه السياسات لا تستهدف دولاً بعينها فقط، بل تعيد رسم توازنات عالمية كاملة.

داخلياً، تشهد إيران احتجاجات شعبية حقيقية، وليست مجرد بؤر صغيرة سهلة الاحتواء، ومع ذلك، فإن التجارب السابقة وتعقيد المشهد الإيراني يرينا أن للنظام السياسي الإيراني قاعدة جماهيرية واسعة، ولا يمكن تصنيفه ضمن الأنظمة الديكتاتورية المتهالكة التي ينهار فيها كل شيء بمجرد سقوط الرئيس، التركيبة السياسية والمؤسسية في إيران معقدة، إذ يوجد إلى جانب الجيش “الحرس الثوري” وهو تنظيم مسلح عقائدي، ما يجعل أي سيناريو انقلاب عسكري صعب جداً، وقد يؤدي إلى احتكاك مسلح وتوازن.

اجتماعياً، تتركز الأجواء الاحتجاجية تاريخياً في المدن الكبرى مثل طهران، بينما تتمركز القاعدة الجماهيرية للنظام في الأرياف ومحيط المدن هذه. يضاف إلى ذلك التنوع الإثني والقومي والديني في إيران، من أكراد وأتراك وعرب وأفغان وأقليات دينية، ما يجعل أي انهيار مفاجئ للنظام، دون وجود بديل جاهز لتسلم الحكم، ينذر بفوضى محتملة واسعة النطاق.

تترافق الاحتجاجات مع عنف واضح ضد المتظاهرين، وتشير تقارير دولية إلى سقوط نحو 12 ألف قتيل خلال أيام قليلة.

المفارقة أن ترامب، وقبل هذه التهديدات، كان يتحدث عن استعداد أميركا للتفاوض، مشيراً إلى أن تنازل ايران عن نقاط تحددها واشنطن قد يفتح الباب أمام “أمر مهم”، لكنه عاد لاحقاً ليوقف مسار التفاوض، ويحث المتظاهرين الإيرانيين، معلناً أن “الدعم آتٍ”، دون أن يكون واضحاً ما الخيار الذي ينوي المضي فيه.

وبالنظر إلى الموقع الجغرافي لإيران وحجمها ودورها الإقليمي، فإن إدخالها في حالة فوضى واسعة لن يقتصر أثره عليها وحدها، بل سيجر كامل محيطها الإقليمي إلى فوضى عميقة، في لحظة تاريخية يتراجع فيها القانون الدولي، ويُترك العالم لسطوة منطق القوة.