في العامين الأخيرين حقق اليمين المتطرف سلسلة من النجاحات الانتخابية وعاد إلى السلطة في أكثر بلدان أمريكا اللاتينية. وعلى الرغم أن هذا المسار مخيبا للآمال التي ارتبطت بنجاحات اليسار. لقد عاد اليمين إلى السلطة في أكثر هذه البلدان بفارق ضئيل جدا، ولم تعكس النتائج الانتخابية فقدان اليسار لرصيده الجماهيري، هذا ما أكده عودة اليسار البوليفي في الانتخابات المحلية الأخيرة، والحراك الجماهيري ضد حكومات اليمين المتطرف في العديد من البلدان.
احتجاجات حاشدة
شهدت العاصمة الكولومبية وعدد من مدن البلاد، الأربعاء الفائت، احتجاجات حاشدة. شارك فيها الآلاف، مثلوا نقابات عمالية، وطلاب، ومزارعون، ومعلمون، ومنظمات تمثل السكان الأصليين. في العاصمة تقدم الرئيس اليساري السابق غوستافو بيترو الحشود التي اكتظ بها وسط العاصمة، على الرغم من تساقط الثلوج الكثيف. وقد وصف بيترو، الاحتجاجات بـ "جرس إنذار"، وذلك بعد مرور شهرين على بدء ما أسماه "حكومة استبدادية مفروضة". في إشارة إلى رئاسة "أبيلاردو دي لا إسبرييا"، الحليف المقرب من دونالد ترامب؛ وفي الوقت نفسه كان "دي لا إسبرييا" يتواجد في القدس المحتلة لافتتاح السفارة الكولومبية التي نُقلت إلى هناك. وهو تحول في السياسة الخارجية، على النقيض من سياسة الرئيس بيترو، الذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب الإبادة الجماعية في غزة عام 2024. بالإضافة إلى ذلك تشير ً تقارير بشأن مساعي "دي لا إسبرييا" لبناء دولة استبدادية وفق معايير اليمين المتطرف.
في أواخر أيلول الفائت، دعت اتحادات نقابية وحركات اجتماعية إلى تنظيم "إضرابا تحذيري" في الرابع عشر من تشرين الأول الحالي، كمقدمة لأطلاق احتجاجات على مستوى البلاد ضد الحكومة الجديدة. وبالتوازي مع ذلك، تجري على قدم وساق الاستعدادات لإضراب شامل في تشرين الثاني المقبل، للرد على سياسات تقليص المكتسبات الاجتماعية وتصاعد الهجوم الشامل على حقوق الأقليات. وفي المقابل، يسعى الرئيس اليميني المتطرف إلى توسيع نطاق أدوات القمع المتاحة لمواجهة الاحتجاجات والمظاهرات؛ إذ أصدر يوم الاثنين الفائت مرسوماً بهذا الشأن، وصفته المعارضة بغير الدستوري، سيدخل حيز التنفيذ في أقل من أسبوع، متجاوزاً بذلك المهل القانونية المقررة.
قانون "مكافحة الإرهاب"
وأعلن وزير الداخلية، رودريغو لارا، في السابع من تشرين الأول الحالي عن طرح مسودة "قانون مكافحة الإرهاب". وأوضح الرئيس، الاثنين الفائت، أن مسودة القانون تتضمن جردا للمنظمات الإرهابية، وتجميد أصولها، واستبعادها من الحصول على عقود حكومية. ومن جانبه، تباهى الرئيس بأنه تمكّن، منذ توليه منصبه في آب الفائت، من "القضاء على 33 زعيماً من قادة منظمات 'الإرهاب المرتبط بالمخدرات'". وتمنح المسودة أجهزة الدولة صلاحيات جديدة واسعة النطاق، يُزعم أنها تهدف إلى مكافحة الاتجار بالمخدرات والجماعات المسلحة. وفي كلمته، أشار الرئيس صراحةً إلى "حلفاء هذه الجماعات الذين يتخذون غطاءً سياسياً". وعلق إيفان سيبيدا، مرشح تحالف "الميثاق التاريخي" اليساري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي خسرها بفارق ضئيل قائلاً، إن هذه الخطوة من شأنها "تقويض دولة القانون في كولومبيا وإرساء نظام ديكتاتوري صريح". وأضاف زعيم المعارضة، الذي شارك أيضاً في الاحتجاجات في بوغوتا، أن "صياغة القانون الغامضة"، قد تؤدي إلى "ارتكاب شتى أنواع انتهاكات حقوق الإنسان".
يأتي مشروع القانون في سياق استراتيجية دأبت الولايات المتحدة على اتباعها أخيرا، كأحد الأدوات لمكافحة اليسار، عبر تهمة التورط في تجارة المخدرات، لفرض عقوباتٍ صارمة على دولٍ، أو على شخصيات مثل الرئيس الكولومبي السابق "بيترو"، دون تقديم أي دليلٍ على تلك الاتهامات. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أدرج "بيترو" -في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، وعقب سجالٍ كلاميٍّ متواصلٍ بينهما، على "قائمة الشخصيات المحظورة".
إلى جانب خطر الملاحقة التعسفية للمعارضين السياسيين، يهدف "قانون مكافحة الإرهاب" أيضاً إلى توسيع نطاق المراقبة الاستخباراتية والصلاحيات العسكرية. ويخشى العديد من المراقبين من العودة إلى حقبة سابقة اتسمت بقمع شامل. ومن الأمثلة التاريخية المشابهة لذلك: "قانون الأمن" الذي أصدره الرئيس خوليو سيزار تورباي أيالا رداً على الإضراب العام عام 1977، و"الخطة الوطنية" التي طُبقت خلال فترة حكم ألفارو أوريبي بين عامي 2002 و2010.
وفقاً لما ذكره سيبيدا، شهد يوم الأربعاء احتجاجات في 100 مدينة وبلدة. وتعرضت مسيرات احتجاجية لهجمات من قبل الشرطة في أربع مدن بضمنها العاصمة، حيث كان من المقرر أن تُختتم الاحتجاجات بعروض موسيقية. لكن التظاهرة انتهت بأعمال عنف، إذ تعرض التجمع السلمي، دون سابق إنذار، لهجوم من جهتين شنته وحدة مكافحة الشغب المعروفة باسم "إسماد"، المعروفة بأساليبها الوحشية. بعد ان تم استقدام تعزيزات إضافية.