مرّ عامان منذ أن أصبح الماركسي أنورا كومارا ديساناياكي أول يساري يتولى منصب الرئاسة في سريلانكا. في عام 2024، انتخبته أغلبية واضحة من الناخبين رئيسًا جديدًا لهذه الدولة الجزيرة الواقعة في جنوب آسيا. لم يكن استبدال سلفه المباشر، رانيل ويكريمسينغه - أحد أبرز شخصيات المعسكر الليبرالي الجديد لأكثر من ثلاثة عقود في الساحة السياسية - مجرد تغيير بسيط في القيادة. فقد ارتبط الرئيس الجديد بأمل بداية جديدة حقيقية على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد تمكنت الحكومة الجديدة بالفعل من إطلاق بعض المبادرات الهامة. لطالما أكد الرئيس أن الإصلاحات تستغرق وقتًا. ولكن ربما لم يدرك هو وحلفاؤه المقربون حجم المهمة الجسيمة التي اضطلعوا بها، والعقبات العديدة التي ما تزال بحاجة إلى التغلب عليها، إلا في العامين الماضيين.
تقييم أولي
لذا، فإن التقييم الأولي متفاوت. مع ذلك، ثمة نجاح لا يُنكر: فقد تعافت سريلانكا إلى حد كبير من الأزمة المالية والاقتصادية الكارثية التي عصفت بها عام 2022، والتي أدت إلى إفلاس مؤقت وانهيار اقتصادي شبه كامل. وفي أحدث تقرير لمجموعة البنك الدولي الصادر في تموز الفائت، ارتقى البلد إلى ثاني أعلى فئة من "الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى"، الذي يشترط دخلا اسميا سنويا للفرد يبلغ 4636 دولارًا أمريكيًا. ووفقًا للبيانات الحالية الصادرة عن البنك المركزي، يبلغ هذا الدخل حاليًا 5003 دولارات أمريكية في سريلانكا. وبلغ النمو الاقتصادي في العام الفائت 5 في المائة، وعلى الرغم من كل الصعوبات، من المتوقع أن يكون عند مستوى مماثل في عام 2026. وقد بلغ 4,2 في المائة في الربع الثاني من العام.
موازنة 2027
في أواخر حزيران الفائت، أعلن ديساناياكي في خطابٍ أن مرحلة الاستقرار قد انتهت وأن البلاد تنطلق نحو نمو حقيقي ومستدام. وتجري حاليًا الاستعدادات النهائية لأعداد ميزانية عام 2027. وقد أعلن الرئيس أن هذه الميزانية ستتضمن برنامجًا استثماريًا بقيمة تريليوني روبية (حوالي 5,26 مليار يورو)، وذلك بعد تخصيص 500 مليار روبية إضافية في كانون الأول 2025 لإعادة الإعمار عقب الفيضانات المدمرة. قبل عام أو عامين فقط، كان مثل هذا التصريح كفيلًا بإثارة مخاوف صندوق النقد الدولي، وهو أهم دائن لسريلانكا. لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل: ففي 23 ايلول، وفي الذكرى السنوية الثانية لاستلام الرئيس مهام منصبه، اختتم صندوق النقد الدولي مهمته الرقابية الأخيرة وخلص إلى أن سريلانكا باتت "قادرة على مواجهة الأزمات الجديدة".
حكومة الممارسة الاجتماعية
لقد حظيت الحكومة الجديدة بإشادة منظمات المجتمع المدني. فقد أشار مايكل يواكيم، الذي تدافع منظمته غير الحكومية "منظمة التعليم والتنمية الريفية في المزارع" عن حقوق عمال المزارع (المالاياغام، المعروفين سابقًا باسم " التاميل الجبليون أو الهنود") في المرتفعات الوسطى منذ أربعين عامًا، إلى أن الحكومة الجديدة ليست منفصلة عن الواقع كما كانت أسلافها. وترى بونيا لوغيسواري، المديرة التنفيذية لمنظمة التنمية البشرية، التي تعمل في القطاع نفسه، الأمر نفسه: "هناك تغيير ملحوظ". ويضم تحالف الرئيس اليساري الواسع، "القوة الشعبية الوطنية"، الذي يحظى الآن بأغلبية ثلثي المقاعد بعد الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2024 (بعد أن كان يضم ثلاثة مقاعد فقط)، العديد من أعضاء البرلمان ذوي الخبرة الواسعة في ممارسة العمل الاجتماعي الشعبي، بدلًا من المسيرة السياسية الطويلة.
أكبر التحديات
ما تزال مكافحة الفساد أحد أكبر التحديات. فعلى مدى عقد ونصف تقريبًا، باستثناء فترة وجيزة، حكمت عائلة واحدة، هي عائلة راجاباكسا، البلاد. شغل ماهيندا راجاباكسا منصب الرئيس من عام 2005 إلى عام 2015، وخلفه شقيقه الأصغر غوتابايا، الذي فرّ من البلاد مؤقتًا في تموز 2022 بعد احتجاجات شعبية واسعة. وفي عهد غوتابايا، تولى ماهيندا منصب رئيس الوزراء، وشغل أقارب آخرون مناصب رفيعة أخرى، فعلى سبيل المثال، شغل الأخ الأكبر، شامال، منصب رئيس البرلمان من عام 2010 إلى عام 2015. وكُشف أخيرا أن المحققين يعتزمون التقدم بطلب للحصول على مذكرة توقيف دولية عبر الإنتربول بحق وزير المالية السابق باسل راجاباكسا، أصغر الرؤساء الأربعة. وهو متهم بجرائم فساد خطيرة في صفقات عقارية وتمويل الحملات الانتخابية. ويُعتقد أن باسل قد فرّ إلى الولايات المتحدة.
أُلقي القبض على نامال راجاباكسا، المنسق الوطني لحزب المعارضة، في أوائل أيلول الفائت. ويُزعم أن نجل ماهيندا الأكبر متورط في فضيحة فساد تتعلق بعمليات شراء طائرات سابقة للخطوط الجوية السريلانكية، كما يُتهم بتلقي رشاوي من شركة إيرباص. وفي تشرين الثاني 2023، أعلنت المحكمة العليا السريلانكية أن ماهيندا وغوتابايا راجاباكسا، إلى جانب 13 سياسياً بارزاً آخر، يتحملون المسؤولية الرئيسية عن الأزمة الكبرى التي شهدها العام السابق.