اخر الاخبار

نية دونالد ترامب ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة ليست مجرد تعبير عن غطرسة إمبريالية، بل مدفوعة باعتبارات اقتصادية وجيوسياسية: الوصول إلى المواد الخام، والسيطرة على الممرات البحرية الشمالية، وعسكرة الجزيرة.

غرينلاند ليست للبيع. وقد أوضح سكانها ذلك بشكل قاطع. يدين حزب اليسار الأوروبي الخطوة الأخيرة لإدارة ترامب، ويدعم حق سكان غرينلاند في تقرير المصير وإنهاء الاستعمار، فضلاً عن حماية نظامهم البيئي الهش، الذي يُعدّ بالغ الأهمية للمناخ العالمي، من الاستغلال والعسكرة.

منذ توليه منصبه في الأول من كانون الثاني 2025، كان دونالد ترامب وراء ما لا يقل عن سبع هجمات عسكرية على سبع دول، بما في ذلك العملية الإجرامية في فنزويلا. وقد وقف القادة الأوروبيون مكتوفي الأيدي أو تواطؤوا في الإبادة الجماعية في غزة، وعلى الرغم، أن هذه الهجمات تهدف إلى تقويض أي نظام متعدد الأطراف واستبداله بهيمنة عالمية مطلقة للولايات المتحدة.

في قمة الناتو في حزيران الفائت، وافق القادة الأوربيون على فرض تخصيص دول الناتو 5 في المائة لدعم الناتو. وفي تموز، وقّعت رئيسة المفوضية الاوربية أورزلا فون دير لاين اتفاقية مع ترامب، تحمل عنوانًا ساخرًا هو "اتفاقية التجارة المتبادلة العادلة والمتوازنة"، رغم أنها تنص على رفع أحادي الجانب للرسوم الكمركية الأوروبية على الواردات الأمريكية. في ظل الظروف الراهنة، وكان من المنطقي أن يعرقل البرلمان الأوروبي هذه الاتفاقية.

إن استيلاء ترامب على غرينلاند يعني نهاية أي وهم بأن أمن أوروبا يمكن أن يعتمد على حلف الناتو والسلاح النووي الأمريكي. ويُبين ان تفاهمه مع بوتين، واختياره شمال أوروبا مسرحاً لمواجهته مع الاتحاد الأوروبي، مدى خطأ فنلندا والسويد عندما تخلتا عن الحياد وعدم الانحياز، اللذان أثبتا جدارتهما لعقود طويلة، وانضمتا إلى حلف الناتو.

الاستقلال الأوروبي

إن لم يكن الآن، فمتى سيكون الوقت المناسب للدول الاوربية داخل وخارج الناتو، للمطالبة بسحب الأسلحة النووية الأمريكية وإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية فيها؟

بالنسبة لأورزلا فون دير لاين، أصبح مصطلح "الاستقلال الأوروبي" شعارًا يُستخدم لتبرير إعادة تسليح الاتحاد الأوروبي وعسكرته. لكن الاستقلال الأوروبي الحقيقي يتطلب أكثر من ذلك بكثير. فهو يستلزم، من بين أمور أخرى، إنهاء الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي الذي نتج عن الحرب في أوكرانيا، وتفكيك الهيمنة الاحتكارية للشركات الأمريكية في قطاعي الخدمات الرقمية والمالية. ولا يمكن تحقيق سياسة صناعية وتكنولوجية أوروبية مستقلة في ظل قيود التقشف الليبرالي الجديد. وهنا أيضًا، انتجت أوروبا ذاتيا عائقا أمام استقلالها.

إنّ الفرضية التي تقوم عليها سياسات التسلح في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) خاطئة أساسا ً. فإذا كانت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو تنفق أضعاف ما تنفقه روسيا الاتحادية، الغارقة في حربٍ تنتهك القانون الدولي، على التسلح، فلا يمكن أن يكون سبب انعدام الأمن هو نقص المعدات العسكرية. صحيحٌ أن للأمن بُعداً عسكرياً، لكن الأمن في المقام الأول هدفٌ سياسيٌ يجب أن يخضع له الجيش.

ولا يمكن تحقيق أوروبا آمنة ومستقلة، إلا في ظل ظروف سلمية، سلامٌ يُعزز باتفاقيات عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية، وبتدابير بناء الثقة، وبخطوات نحو نزع السلاح. وقد أثبت توقيع وثيقة هلسنكي الختامية (عام 1975) أن هذا ليس ضرباً من الخيال. وبناءً على ذلك، يمكن لأوروبا أن تستنتج استنتاجاً منطقياً من سياسات ترامب.

إن أهم خطوة على هذا الطريق هي إنهاء الحرب في أوكرانيا. يُقدّم القادة الأوروبيون مثالاً صارخاً على التبعية الاستعمارية بتركهم دونالد ترامب يتوسط في صراع ذي أهمية وجودية لأوروبا. البرازيل والهند والصين، وحتى الولايات المتحدة، تُجري محادثات مع بوتين؛ وحدهم قادة الاتحاد الأوروبي يرفضون ذلك. لو كانوا قادرين على فعل أي شيء، لبادروا لأجراء حوار أوروبي مع القيادتين الأوكرانية والروسية، ولعبوا دوراً الوسيط المستقل.

ليس هذا السياق الوحيد الذي يكشفون فيه عن عجزهم عن اتباع سياسة متماسكة. فبدلاً من البحث عن حلفاء في النزاع التجاري الوشيك مع الولايات المتحدة، قررت المفوضية الأوروبية، في لحظة اعلان الشراكة الاستراتيجية الصينية -الكندية، استبعاد الشركات الصينية من سوق الاتصالات والبنية التحتية الأوروبية، وبهذا اشعلت أوربا فتيل حربها التجارية.

وبينما يستطيع ترامب الاعتماد على حلفائه الأيديولوجيين من اليمين المتطرف في حربه الباردة ضد الاتحاد الأوروبي ، وهم حلفاء يشكلون جزءًا من الائتلافات الحاكمة في ثلث الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - لا تزال أمام قيادة الاتحاد الأوروبي خيارات عديدة للتحرك والمقاومة إن رغبت في ذلك. لكنها بدلاً من ذلك، اختارت استرضاءه والتعاون مع اليمين المتطرف.

أوروبا لن تكون عاجزة لو توفرت لديها الإرادة للتحرك، والتوازن المناسب للقوى داخل مؤسساتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالتر باير السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي النمساوي، والرئيس الحالي لحزب اليسار الأوربي.